هل تتحقق عمارة الدنيا بتعاليم الإسلام؟

يطرح أحياناً ادعاء مفاده أن العمل بالإسلام، وإن كان قد ينفع في الآخرة، فإنه يحد من حياة الإنسان ويزيد من مشاكله في الدنيا. ينشأ هذا السؤال عادةً من مقارنة سطحية بين التدين وبعض مظاهر الرفاه الدنيوي، في حين أن الحقيقة هي أن الإسلام، قبل أن يتحدث عن الآخرة، يتحدث عن النظام والأخلاق والصحة والحقوق الاجتماعية في هذه الدنيا. ولتوضيح هذا الأمر، أجاب حجة الإسلام والمسلمين محمدي الشاهرودي عن هذا السؤال، وهذا ما نقدمه في هذه المقالة.

السؤال: كيف يعمر الإسلام آخرتهم بينما هو يخرب دنيا أتباعه؟

جواب حجة الإسلام والمسلمين محمدي الشاهرودي:

هذا الافتراض غير صحيح. فالإسلام لا يضمن ويؤمن آخرة الإنسان فحسب، بل يعمر دنياه أيضاً. فإذا كانت حياة شخص ما مضطربة، فذلك لأنه لم يعمل بالإسلام وابتعد عن تعاليمه.

ماذا يقول الإسلام؟

يقول: لا تكذبوا، لا تظلموا، لا تقتلوا الحقوق، راعوا حقوق بعضكم البعض، تحلوا بالأخلاق، اطلبوا العلم. هل التزود بالعلم يخرب الحياة؟ قطعاً لا. فقد ورد في الروايات الكثيرة التأكيد على طلب العلم. فعلى سبيل المثال، في كتاب “منية المريد” للشهيد الثاني، أو في “أصول الكافي” في كتاب “فضل العلم”، هناك مئات الروايات حول أهمية العلم. ومن بينها هذه الرواية المشهورة:

“طلب العلم فريضة على كل مسلم”

عندما يؤكد الإسلام بهذا القدر على طلب العلم، هل يمكن أن تخرب حياة عالم بسبب تعلمه؟

من يتحلى بالأخلاق ويلتزم بالقانون ويؤمن بالآخرة، هل يسمح لنفسه أن يظلم أو ينتهك حقوق الآخرين؟ قطعاً لا. لذلك، فإن الحقيقة هي أن من كان مسلماً وعمل بتعاليم الإسلام، ستزدهر دنياه أيضاً.

حتى لو افترضنا عدم وجود الآخرة، فإن السؤال يبقى مطروحاً: أي الدنيا أزهر وأسلم؟ دنيا الشخص المنحرف الخارج عن القانون أم دنيا الشخص النقي صاحب الأخلاق؟

أي المجتمعات أسعد؟ مجتمع ينتشر فيه الجريمة والإجرام والانحراف، أم مجتمع يحترم فيه الناس حقوق بعضهم البعض ويتصرفون وفق المبادئ الأخلاقية؟

نحن الآن لا نتحدث عن الآخرة؛ الكلام عن عمارة الدنيا لا عن الآخرة. من الواضح أن المجتمع الأخلاقي الملتزم بالقانون يمتلك دنيا أكثر ازدهاراً واستقراراً.

مجتمع ينتشر فيه الجريمة والإجرام وأنواع الانحرافات، هل هو مجتمع أسعد؟ نحن نتحدث فقط عن دنيا الناس، لا عن آخرتهم. من الواضح أن مثل هذا المجتمع لا يمتلك طمأنينة ولا أمناً ولا ازدهاراً.

ما الذي يطلبه الإسلام من الإنسان؟

نفس ما يؤيده العقل والفطرة أيضاً.

للإنسان عقل؛ يقول الإسلام: نمِّ عقلك، طوره، وتصرف بعقلانية. إذا تصرفت بعقلانية، ستصل إلى هدفك.

للإنسان قلب وعاطفة؛ يقول الإسلام: كن محباً للآخرين، كن رحيماً بهم، حافظ على العلاقات الإنسانية. هل هذا يخرب الحياة؟ أبداً.

للإنسان جسد؛ يقول الإسلام: لا تستهلك ما يضر بجسدك. المثال الواضح هو الخمر. يقول الإسلام: لا تشربه لأنه يعرض صحتك للخطر.

لذلك، فإن مجموعة تعاليم الإسلام عقلانية وفطرية وأخلاقية، كلها تصب في عمارة حياة الإنسان، لا في تخريبها.

يقول الإسلام: لا تظلم، لا تؤذِ الناس، لأن هذه الأفعال تدمر المجتمع. إن جميع الأوامر التي جاء بها الإسلام، بالإضافة إلى إعمار الآخرة، تعمر دنيا الإنسان أيضاً. لذلك، فإن هذا القول غير صحيح من الأساس.

إذا كان مقصودهم بـ “عمارة الدنيا” أن يكون الإنسان منفلتاً من القانون، يفعل ما يشاء، ويمارس الفساد والفجور والظلم والجريمة بحرية، وأن الدين يعيق هذه الأمور، فيجب القول: نعم، الإسلام يعارض مثل هذه العمارة.

لكن الحقيقة أن الإسلام يرى العمارة في العدالة والأخلاق والصحة وطمأنينة المجتمع، لا في انتشار المنكرات وانعدام القانون. فالإسلام يعارض الزنا والفجور والظلم وشرب الخمر وأي فساد، لأن هذه الأمور تدمر أساس الدنيا وراحة الإنسان.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

لماذا كان النبي محمد صلى الله عليه وآله آخر الأنبياء؟
السؤال: كيف یمکن المحافظة علی اللسان حتى لا یرتكب معصية؟
حلول القرآن لتربية الأبناء شجعاناً صابرين في الأزمات الاجتماعية
السؤال: هل خُلقت السماوات والأرض في ستة أيام أم أكثر أم أقل؟ وأيهما خُلقت قبل الأخرى؟
أحكام رمضان | ثلاث استثناءات مهمّة في قاعدة نيّة الصوم

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل