نصر الله حق ثابت للمؤمنين. فكيف يتحقق هذا النصر؟ ولماذا نشهد أحياناً غلبة الكفار على المسلمين؟ في هذه المقابلة، وبالاستناد إلى آيات القرآن الكريم وتفاسيره، نستعرض أسباب هذه السنة الإلهية وشروط تحققها.
تمهيد
في مسيرة الحياة المتقلبة، كان الإيمان بنصر الله بمثابة العمود الفقري الروحي والمعين الأساسي للمجتمعات المؤمنة. يؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة الجوهرية من خلال وعود محكمة للمؤمنين، لكنه في الوقت نفسه لا يحصر نطاق هذا النصر في المعجزات الظاهرة. تسعى هذه المقابلة مع حجة الإسلام مرتضى فدائي، عضو الهيئة الأكاديمية في جامعة المصطفى العالمية، والخبير في المجموعة العلمية للقرآن والحديث، إلى استكشاف الطبقات الخفية والظاهرة للنصر الإلهي الذي كان حاضراً عبر تاريخ الإسلام ولا يزال قائماً في التحديات المعاصرة.
كان قائدنا الشهيد يردد هذه الآية أكثر من سبعين مرة في حياته:
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [1]
ما خصائص هذه الآية؟
بسم الله الرحمن الرحيم
يُعد النصر الإلهي في آيات القرآن من الوعود المؤكدة لله تعالى، ومن سننه الجارية. فمثلاً، في الآية 47 من سورة الروم، وردت هذه السنة الإلهية كحق للمؤمنين على الله:
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [2]
ومن خصائص الآية 40 من سورة الحج، وعد النصر الإلهي حيث يقول الله تعالى:
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [1]
في هذه الآية الكريمة، أكد الله تعالى في عبارة ﴿لَيَنْصُرَنَّ﴾ بنون التوكيد الثقيلة واللام، أن من ينصر الله فإن الله لينصرنه.
من المعلوم أن الله تعالى غني عن نصر غيره، فالمقصود بنصر الله في الآية الكريمة هو نصر دين الله ونصر رسوله والمؤمنين [3]. والله تعالى قوي غالب قاهر لكل شيء. فمن نصر دين الله بأي شكل كان في مقدوره، فإنه وفقاً لهذه الآية الكريمة سينصره الحق تعالى كما وعد، تماماً كما فتح مؤمنو صدر الإسلام مع قلة عددهم وفقرهم الظاهري معظم بلاد العرب والعجم. وفي الآية 139 من سورة آل عمران وعد الله المؤمنين:
﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [4]
وبناءً على هذا الوعد، ينبغي أن يكون المؤمنون بالإسلام في كل زمان أعلى وأرفع من أهل العالم. فما بالنا في عصرنا نجد بعض الأمم الكافرة تستولي على بلاد المسلمين؟ يتبين أن الشرط الذي ذكره الله في الآية ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مفقود في أكثر أهل الأمة الإسلامية. ذلك أن الله قال: أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. وبما أن الإيمان وحقيقة الإسلام قد ماتت في قلوب كثير من المؤمنين، وذهبت الحياة الإيمانية، أصبحنا بدلاً من أن نكون نحن المسلمين أعلى وأرفع من الكفار، نجدهم هم المسيطرون علينا ونحن تحت ضغطهم [3].
ما معنى النصر الإلهي في هذه الآية؟
من الضروري الرجوع إلى مجموعة من آيات القرآن الكريم التي تناولت نصر الله. فلمفهوم النصر الإلهي مصاديق متعددة لم تذكر في هذه الآية مباشرة، بل وردت في آيات أخرى.
في بيان “النصر الإلهي”، يمكن الانتباه إلى آيات أخرى من القرآن الكريم تتحدث عن أنواع مختلفة من نصر الله.
أولاً: النصر من خلال إلقاء الرعب في قلوب الأعداء
منها ما يتعلق بـ “إلقاء الرعب في قلوب الأعداء” الذي يذكره القرآن كأحد علامات نصر الله.
ثانياً: النصر من خلال إيجاد الطمأنينة والثبات
كما يشير القرآن إلى “الطمأنينة” التي يضعها الله في قلوب المؤمنين؛ طمأنينة تسبب الثبات وتقوي الروح في الظروف الصعبة. ففي ظروف الحرب الحالية أيضاً يمكن ملاحظة هذه المصاديق: خلق التضامن والأمل بين الناس، وزيادة الروح المعنوية والثبات، وتشكل القرارات والمعتقدات الصحيحة في أذهان الأفراد؛ كلها مظاهر لنصر الله للمؤمنين ودعمه لمقاتلي الإسلام.
ثالثاً: النصر من خلال الهداية والتسديد
في بيان مصاديق “النصر الإلهي”، يمكن الإشارة إلى نماذج تاريخية ومعاصرة. في غزوة الأحزاب، كان الاقتراح الاستراتيجي بحفر الخندق الذي قدمه سلمان الفارسي مثالاً على الهداية الإلهية ونصر الله من خلال فكر وتدبير فرد واحد.
رابعاً: النصر من خلال الملائكة والأنصار الخاصين
في العصر الحديث أيضاً، التطورات المذهلة في مجال الصناعات الدفاعية والصاروخية التي تشكلت بإلهام من أفكار الشهيد حسن طهراني مقدم ومتابعة خبراء بارزين مثله ومن بعده أمير علي حاجي زاده، هي مظهر من مظاهر النصر الإلهي في تمكين قوى جبهة الحق.
كما يشير القرآن الكريم إلى نصر الله من خلال الملائكة، كما حدث في غزوة بدر. وأحياناً يتجلى النصر الإلهي في صورة دعم فرد لفرد آخر، كما هو الحال في الدور المحوري لأمير المؤمنين علي (ع) كناصر وسند للنبي الأكرم (ص). هذه الإعانات المعنوية والمادية كانت دائماً سنداً للمؤمنين في طريق تحقيق الأهداف الإلهية.
خامساً: النصر من خلال اختيار القادة الصالحين
في الحقيقة، اختيار الله لقادة مثل قائدنا الشهيد آية الله الخامنئي هو أيضاً مظهر من مظاهر نصر الله الذي أُعطي للمجتمع المؤمن. هذه الإعانات الربانية عبر التاريخ وفي مواجهة التحديات المختلفة تجلت للأنبياء والمؤمنين.
نماذج تاريخية وقرآنية للنصر الإلهي
على سبيل المثال، في سورة يونس، الآية 73، أشار إلى نصر الله لسيدنا موسى (ع) [5]. وفي سورة الأنبياء، الآية 69، جعل الله نار نمرود على سيدنا إبراهيم (ع) “برداً وسلاماً” ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [6]. هذا نموذج بارز لنصر الله حيث جعل النار المحرقة لا تؤذي نبيه.
كما ورد النصر الإلهي لسيدنا لوط (ع) في سورة الصافات، الآية 134 [7]، ولشعيب (ع) في سورة هود، الآية 94 [8]. هذه الآيات وغيرها الكثير تشهد أن الله كان دائماً ينصر المؤمنين وأنبياءه في طريق رسالتهم ويحميهم من كيد الأعداء.
ورد ذكر سيدنا هود (ع) ويونس (ع) وموسى (ع) وعيسى (ع) في سور متعددة. كما أن نصر المؤمنين وآيات مثل ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [9] تبين النصر الإلهي في مواقف مختلفة. هناك آيات كثيرة في القرآن الكريم تشير إلى هذا الموضوع.
الهوامش:
[1] سورة الحج، الآية 40.
[2] سورة الروم، الآية 47.
[3] تفسير مخزن العرفان في علوم القرآن، ج 8، ص 360.
[4] سورة آل عمران، الآية 139.
[5] سورة يونس، الآية 73.
[6] سورة الأنبياء، الآية 69.
[7] سورة الصافات، الآية 134.
[8] سورة هود، الآية 94.
[9] سورة آل عمران، الآية 123.
*ترجمة مركز الإسلام ألأصيل





