في زمن تستهدف فيه الاضطرابات الداخلية والهجمات الشيطانية المعقدة روح الإنسان، تبرز الحاجة إلى ملاذٍ آمن ودرعٍ حصين أكثر من أي وقت مضى. إن الصحيفة السجادية، ذلك الكنز الفريد من المعارف الإسلامية الذي سُمّي بحق «زبور آل محمد (ص)»، ليست مجرد مجموعة مناجاة، بل هي موسوعة لبناء الإنسان وبرنامج شامل للتربية الفردية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق، يشكل هذا الحوار مع حجة الإسلام والمسلمين محمد رضا فؤاديان، خبير الصحيفة السجادية، فرصة لاستكشاف إرشادات هذا البحر المعرفي اللامتناهي في مواجهة الأزمات الفردية والجماعية في عصرنا الحاضر.
الصحيفة السجادية درع إلهي في مواجهة اضطرابات النفس
بالنظر إلى التأكيدات الواردة حول «اضطرابات النفس الداخلية» و«شدة الهجمات الشيطانية في آخر الزمان»، ما هي الميزة والمكانة الفريدة للصحيفة السجادية بوصفها درعاً إلهياً مقارنة بسائر الأدعية؟
عند الرجوع إلى الدعاء التاسع من الصحيفة السجادية نجد أن الإمام السجاد عليه السلام يتضرع قائلاً:
«وَ لَا تَخْلُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ نُفُوسِنَا وَ اخْتِيَارِهَا»
اللهم لا تترك فراغاً بيننا وبين نفوسنا، ولا تكلنا إلى اختيارنا.
لماذا؟ لأن ذلك الفراغ الخفي والمساحة التي تفصل الإنسان عن نفسه ينبغي أن تمتلئ بحضور الله تعالى.
ثم يقول الإمام عليه السلام:
«وَ لَا تُخَلِّ فِي ذَلِك بَيْنَ نُفُوسِنَا وَ اخْتِيَارِهَا، فَإِنَّهَا مُخْتَارَةٌ لِلْبَاطِلِ إِلَّا مَا وَفَّقْتَ، أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمْتَ»
أي: اللهم لا تترك نفوسنا واختيارها دون عنايتك، فإن النفس تميل إلى الباطل وتختاره إلا إذا وفقتها أنت، وهي أمّارة بالسوء إلا أن تشملها برحمتك.
ويقول أيضاً:
«فَإِنَّكَ إِنْ تَخْلُ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ اخْتِيَارِهَا تَخْتَارِ الْبَاطِلَ»
أي إن النفس إذا تُركت وشأنها فإنها تميل إلى الباطل وتختاره.
ثم يتابع الإمام عليه السلام:
«اللَّهُمَّ وَ إِنَّكَ مِنَ الضُّعْفِ خَلَقْتَنَا»
اللهم إنك خلقتنا من ضعف.
«وَ عَلَى الْوَهْنِ بَنَيْتَنَا، وَ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ابْتَدَأْتَنَا، فَلَا حَوْلَ لَنَا إِلَّا بِقُوَّتِكَ، وَ لَا قُوَّةَ لَنَا إِلَّا بِعَوْنِكَ»
أي: اللهم لا حول لنا إلا بقوتك، ولا قوة لنا إلا بمعونتك.
ولهذا نتضرع إليك يا رب أن توفقنا وتثبتنا وتؤيدنا. اللهم احفظ قلوبنا التي لها عين بصيرة، عين القلب، من النظر إلى كل ما يخالف محبتك.
إن المنهج الأساس في مواجهة النفس الأمّارة اليوم هو نفسه الذي بيّنته الصحيفة السجادية: الاعتراف بضعف الإنسان وفقره الذاتي، وطلب التوفيق والتسديد الدائم من الله، وحفظ عين القلب من كل ما يفسد محبة الله.
المزج بين الدعاء والمعرفة التوحيدية
من وجوه إعجاز الصحيفة السجادية أنها تجمع بين الدعاء الخالص والمعارف التوحيدية والإنسانية العميقة. فكيف يساعد هذا المزج في مواجهة الوساوس المعقدة للنفس والشيطان في العصر الحديث؟
يجيب عن هذا السؤال الدعاء الخامس والعشرون من الصحيفة السجادية، حيث يقول الإمام السجاد عليه السلام:
«وَ أَعِذْنِي وَ ذُرِّيَّتِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، فَإِنَّكَ خَلَقْتَنَا وَ أَمَرْتَنَا وَ نَهَيْتَنَا وَ رَغَّبْتَنَا فِي ثَوَابِ مَا أَمَرْتَنَا وَ رَهَّبْتَنَا عِقَابَهُ ، وَ جَعَلْتَ لَنَا عَدُوّاً يَكِيدُنَا ، سَلَّطْتَهُ مِنَّا عَلَى مَا لَمْ تُسَلِّطْنَا عَلَيْهِ مِنْهُ ، أَسْكَنْتَهُ صُدُورَنَا ، وَ أَجْرَيْتَهُ مَجَارِيَ دِمَائِنَا ، لَا يَغْفُلُ إِنْ غَفَلْنَا ، وَ لَا يَنْسَى إِنْ نَسِينَا ، يُؤْمِنُنَا عِقَابَكَ ، وَ يُخَوِّفُنَا بِغَيْرِكَ»
أي: اللهم أعذني وذريتي من الشيطان الرجيم؛ فإنك خلقتنا وأمرتنا ونهيتنا، ورغبتنا في ثواب ما أمرتنا به، وخوّفتنا من عقاب ما نهيتنا عنه، وجعلت لنا عدواً يمكر بنا. وقد جعلت له تسلطاً علينا لا نملك مثله عليه، وأسكنته صدورنا، وجعلته يجري في عروقنا مجرى الدم؛ فإن غفلنا عنه لم يغفل عنا، وإن نسيناه لم ينس إغواءنا. إنه يؤمّننا من عقابك ويخوّفنا بغيرك.
ثم يقول الإمام عليه السلام:
«إِنْ هَمَمْنَا بِفَاحِشَةٍ شَجَّعَنَا عَلَيْهَا ، وَ إِنْ هَمَمْنَا بِعَمَلٍ صَالِحٍ ثَبَّطَنَا عَنْهُ ، يَتَعَرَّضُ لَنَا بِالشَّهَوَاتِ ، وَ يَنْصِبُ لَنَا بِالشُّبُهَاتِ ، إِنْ وَعَدَنَا كَذَبَنَا ، وَ إِنْ مَنَّانَا أَخْلَفَنَا ، وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنَّا كَيْدَهُ يُضِلَّنَا ، وَ إِلَّا تَقِنَا خَبَالَهُ يَسْتَزِلَّنَا»
أي: إذا هممنا بفاحشة شجعنا عليها، وإذا هممنا بعمل صالح ثبطنا عنه. يعرض علينا الشهوات وينصب لنا الشبهات؛ إن وعدنا كذبنا، وإن منّانا أخلفنا. فإن لم تصرف عنا كيده أضلنا، وإن لم تحفظنا من فساده أوقعنا في الزلل.
ثم يبيّن الإمام طريق الخلاص:
«اللَّهُمَّ فَاقْهَرْ سُلْطَانَهُ عَنَّا بِسُلْطَانِكَ حَتَّى تَحْبِسَهُ عَنَّا بِكَثْرَةِ الدُّعَاءِ لَكَ فَنُصْبِحَ مِنْ كَيْدِهِ فِي الْمَعْصُومِينَ بِكَ»
أي: اللهم اقهر سلطانه عنا بسلطانك حتى تحبسه عنا بكثرة دعائنا لك، فنصبح بعونك من المحفوظين من كيده.
إن الحل الذي تقدمه الصحيفة السجادية هو كثرة الدعاء، فهي التي تكسر سلطان إبليس وقوته، وتدخل الإنسان في دائرة الحفظ الإلهي.
حضور القلب في الدعاء والتغلب على الجفاف الروحي
من أكبر العوائق التي قد تعترض الإنسان في الاستمرار في الدعاء الشعور بالجفاف وعدم حضور القلب. فكيف يمكن التغلب على هذا العائق وتحويل الدعاء إلى حوار حي مع الله؟
يكمن الجواب في الدعاء الحادي عشر من الصحيفة السجادية، حيث يقول الإمام عليه السلام:
«يَا مَنْ ذِكْرُهُ شَرَفٌ لِلذَّاكِرِينَ ، وَ يَا مَنْ شُكْرُهُ فَوْزٌ لِلشَّاكِرِينَ ، وَ يَا مَنْ طَاعَتُهُ نَجَاةٌ لِلْمُطِيعِينَ . صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ ، وَ اشْغَلْ قُلُوبَنَا بِذِكْرِكَ عَنْ كُلِّ ذِكْرٍ ، وَ أَلْسِنَتَنَا بِشُكْرِكَ عَنْ كُلِّ شُكْرٍ ، وَ جَوَارِحَنَا بِطَاعَتِكَ عَنْ كُلِّ طَاعَةٍ»
أي: يا من ذكره شرف للذاكرين، وشكره فوز للشاكرين، وطاعته نجاة للمطيعين. صلّ على محمد وآله، واشغل قلوبنا بذكرك عن كل ذكر، وألسنتنا بشكرك عن كل شكر، وجوارحنا بطاعتك عن كل طاعة.
فإذا امتلأ القلب بذكر الله، فإن ما في القلب يظهر على الجوارح. وعندها تسير الجوارح في طريق الطاعة والعبادة. وحتى إن وُجدت أوقات فراغ، فإن انشغال القلب الدائم بذكر الله يجعل الإنسان يجتاز تلك الأوقات بسلامة وطهارة. ولهذا فإن ذكر الله في أعماق القلب يحظى بأهمية عظيمة.
علاج الوساوس والضعف الأخلاقي في الصحيفة السجادية
كثير من الناس يعانون من وساوس متكررة أو إخفاقات متتالية في ذنب معين أو ضعف أخلاقي محدد. ويمكن الاستفادة من كنوز الصحيفة السجادية لعلاج هذه الحالات، ومن أبرزها الدعاء الثامن.
يقول الإمام عليه السلام:
«اللَّهُمَّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَيَجَانِ الْحِرْصِ، وَ سَوْرَةِ الْغَضَبِ، وَ غَلَبَةِ الْحَسَدِ، وَ ضَعْفِ الصَّبْرِ، وَ قِلَّةِ الْقَنَاعَةِ، وَ شَكَاسَةِ الْخُلُقِ، وَ إِلْحَاحِ الشَّهْوَةِ، وَ مَلَكَةِ الْحَمِيَّةِ»
أي: اللهم إني أعوذ بك من طغيان الحرص، وشدة الغضب، وغلبة الحسد، وضعف الصبر، وقلة القناعة، وسوء الخلق، وإلحاح الشهوة، والعصبية.
وفي الدعاء الحادي والأربعين من الصحيفة السجادية يستعيذ الإمام السجاد عليه السلام بالله من أربعٍ وأربعين آفة أخلاقية قد تعكّر صفاء القلب والروح.
هذا الدعاء يشبه مرآة تكشف للإنسان عيوبه الداخلية والخارجية، وتدله على طريق الخلاص منها، وهو الالتجاء إلى الله تعالى. فكثيراً ما يظن الإنسان أنه قادر وحده على إصلاح أخلاقه، بينما الحقيقة أنه حتى في ترك ما يقدر عليه يحتاج إلى عون الله سبحانه وتعالى.
وفي كثير من أدعية الصحيفة السجادية، عندما يذكر الإمام السجاد عليه السلام رذيلة أخلاقية، يذكر معها مباشرة طريق علاجها.
فعلى سبيل المثال، في الدعاء العشرين «مكارم الأخلاق» يقول الإمام عليه السلام:
«وَ عَبِّدْنِي بِغَضِّ أَهْلِ الشَّنَآنِ بِالْمَحَبَّةِ»
أي: اللهم اجعلني أواجه عداوة الأعداء بالمحبة. فالمحبة تزيل العداوات.
ويقول أيضاً: «وَ مَنَّ عَلَيَّ بِإِذْهَابِ حَسَدِ أَهْلِ الْبَقِيَّةِ بِالْمَوَدَّةِ»
أي: أزل الحسد بالمودة. فطريق علاج الحسد هو نشر المودة والصداقة.
كما يقول: «وَ ذَهِّبْ عَنِّي سُوءَ الظَّنِّ بِأَهْلِ السَّلَامَةِ»
أي: أبعد عني سوء الظن بالناس. ويكون العلاج بحسن الظن حتى مع من قد يسيء إلينا أحياناً.
ويقول أيضاً: «وَ حَقِّقْنِي بِحُقُوقِ ذَوِي الْأَرْحَامِ»
أي: اجعلني قائماً بحقوق الأقارب.
وطريق ذلك هو البر والإحسان الدائم إليهم. وحتى لو قطع بعض الأقارب صلتهم بالإنسان، فعليه أن يصلهم ويعينهم وينصرهم.
وهكذا نرى أن كثيراً من المشكلات الأخلاقية حين تُطرح في أدعية الصحيفة السجادية يبيّن الإمام السجاد عليه السلام طريق علاجها مباشرة في قالب الدعاء والمناجاة.
الصحيفة السجادية ومسؤوليات المجتمع الإسلامي
لا تقتصر الصحيفة السجادية على معالجة المشكلات الفردية، بل تتناول أيضاً قضايا المجتمع ومسؤولياته. ومن الأدعية التي تبرز هذا الجانب الدعاء السابع والعشرون المعروف بدعاء المرابطين في الثغور، الذي يتضمن معاني عميقة في الدفاع عن الدين وحماية الأمة.
كما يمكن الاستناد إلى الدعاء السادس لتوضيح هذه المسؤوليات، حيث يقول الإمام عليه السلام:
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ وَفِّقْنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا وَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ وَ فِي جَمِيعِ أَيَّامِنَا لِاسْتِعْمَالِ الْخَيْرِ، وَ هِجْرَانِ الشَّرِّ، وَ شُكْرِ النِّعَمِ، وَ اتِّبَاعِ السُّنَنِ، وَ مُجَانَبَةِ الْبِدَعِ، وَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَ النَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ، وَ حِيَاطَةِ الْإِسْلَامِ، وَ انْتِقَاصِ الْبَاطِلِ وَ إِذْلَالِهِ، وَ نُصْرَةِ الْحَقِّ وَ إِعْزَازِهِ، وَ إِرْشَادِ الضَّالِّ، وَ مُعَاوَنَةِ الضَّعِيفِ، وَ إِدْرَاكَ اللَّهِيفِ»
أي: اللهم صلِّ على محمد وآله، ووفقنا في يومنا هذا وليلتنا هذه وفي جميع أيامنا لاستعمال الخير، وهجران الشر، وشكر النعم، واتباع السنن، ومجانبة البدع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحماية الإسلام، وإذلال الباطل، ونصرة الحق، وتعزيز الحق بين الناس، وهداية الضال، ومساعدة الضعيف، وإغاثة المستغيث.
وهذه الأعمال تمثل مجموعة من المسؤوليات الجماعية التي ينبغي لكل فرد في المجتمع الإسلامي أن يتحملها تجاه دينه ومجتمعه، لتبقى الأمة قائمة على نصرة الحق ومواجهة الباطل.
*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل





