تُعدّ السلوكيات المقدسة حجر الزاوية في ثبات القدم على الصعيد الاعتقادي والعاطفي والسلوكي. فبوجود هذه القيم الراسخة، لا يمكن للعدو أن يُسقط الأمة، حتى لو تكرّر مشهد عاشوراء، فإنها تبقى شامخة كالجبال الراسخة، وهذا ما يشكّل مصدر فخر واعتزاز للشيعة في كل زمان ومكان.
الاستقامة المقدسة ليست مجرد سلوك ظاهر، بل هي سلوك يمتلك عمقًا عاطفيًا، عقلانيًا، واعتقاديًا. وتنتج عن هذه الأبعاد الثلاثة مجموعة من المؤشرات الأساسية:
- التحمل العاطفي: القدرة على مقاومة الضغوط النفسية الشديدة والصعوبات العاطفية دون انهيار.
- الاستمرارية السلوكية: الالتزام بالمداومة على أداء الواجبات، مع مرونة تامة تجاه تغير الظروف المحيطة.
- الأمل الراسخ: معرفة التكليف والعمل به، واليقين برضا الله وثوابه، ما يمنح النفس ثباتًا أمام التحديات.
وعلى هذا الأساس، يمكن ربط بعض القيم الجوهرية مع هذه الاستقامة:
- المهدوية: تمنح الأمل وتوسع الأفق التاريخي للإنسان المؤمن.
- الشهادة: تمنح القدرة على التحمل العاطفي والصمود أمام المحن.
- الولاية: تضمن الاستمرارية في السير على الصراط المستقيم، بعيدًا عن الانحرافات والفتن.
وهكذا تتشكل الاستقامة المقدسة القائمة على الإيمان، والتي تمثل العمود الفقري لخلود المذهب الشيعي وصمود أتباعه في مختلف العصور.
1. المسلمون بفكر المهدوية والانتظار
يمتلكون أفقًا تاريخيًا يمتد إلى عمق البشرية، متجسدًا في وعد ظهور منقذ آخر الزمان عليه السلام، البشارة التي بشر بها الأنبياء، والموعودة في الكتب السماوية كافة. هذا الأفق يمنح أهل الإيمان القدرة على الثبات على الصراط المستقيم مهما اجتمع العالم ضدهم.
حتى في أصعب الظروف، يقاوم الشيعة الاستكبار العالمي، محافظين على مبادئهم ومواقفهم دون أن يحيدوا عن طريق الحق.
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعَفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5]
يُظهر هذا النص الإلهي أن الأمة المستضعفة في أي عصر لها وعد بالنصر والتوجيه، وأن الإيمان بهذه البشارة يمنح القوة والصبر على مواجهة التحديات.
2. المسلمون بفكر الشهادة
أولئك الذين يمتلكون فكر الشهادة يمتازون بقوة استثنائية، لأن النصر حليفهم في كل الظروف. هذا الوعد الإلهي يمثل جذور استقامتهم، إذ يُثبت أن السعادة الحقيقية والنصر الإلهي حليف المخلصين، وأن الشهداء أحياء عند ربهم، يرزقون ويستمرون في بث الأثر الطيب على المجتمع.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]
إن هذا الوعي بثمر الشهادة يجعل المؤمن على استعداد لمواجهة كل الصعاب، مع الثبات العقلي والروحي، وإدراك أن كل معاناة في سبيل الحق هي خطوة نحو النصر والفوز بالرضا الإلهي.
3. المسلمون بفكر النبوة والإمامة والولاية
هؤلاء المؤمنون يسيرون دائمًا على الصراط المستقيم، ولن ينحرفوا عن طريق الحق أبداً، مهما تعاظمت الفتن أو كثرت الهجمات. هذا الفكر متجذر في الوحي والروايات، كما في حديث الثقلين الذي يؤكد أن الهداية والسعادة تكمن في التمسك بكتاب الله وعترة النبي (صلى الله عليه وآله):
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي… ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً”.
فالمسلم المؤمن بهذا التوجيه الإلهي يمتلك القدرة على الثبات العقلي والروحي، ويظل صامدًا في مواجهة جميع الابتلاءات، محافظًا على نهجه القويم.
النتيجة
إن السلوكيات المقدسة هي الضمان الحقيقي لثبات القدم والاستقامة الاعتقادية والعاطفية والسلوكية. وبوجود هذا الالتزام الروحي، تبقى الأمة قوية أمام التحديات، شامخة كالجبال، مهما تكاثرت الهجمات أو تكرر مشهد عاشوراء، وهذا ما يكرّس فخر الشيعة واعتزازهم بعقيدتهم ومبادئهم.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





