في زمانٍ استنفدت فيه الضمائر الحية في العالم، وأضنتها مشاهدُ ركام المستشفيات وصراخ الأمهات في غزة، لم يبق أمام الباحث المنصف إلا أن يعود إلى المذهب الدفاعي الشيعي ليقرأه قراءةً جديدةً تكشف الفارق الجوهري بين قوّةٍ تحرّر البشرية، وأخرى تمارس أقصى درجات التوحش باسم السلطة والسيطرة.

يتناول حجة الإسلام والمسلمين محمد حسين أمين، الكاتب والباحث الديني، في هذا المقال، قواعد الفقه وأخلاقيات القتال في الإسلام، ويحلّل بالتفصيل الاختلافات الأساسية بين العقيدة الدفاعية للجمهورية الإسلامية الإيرانية والجرائم المروّعة التي يرتكبها الكيان الصهيوني.

القواعد السماوية في ساحة المعركة: النبي (ص) ينهى حتى عن قطع الأشجار

الإسلام دين السلام والصحة والتعايش السلمي، لكنه عندما تُسلّ سيوف الظالمين ولم يبق سبيل سوى الدفاع الشريف، فإنه حتى لتلك الساحة الملوّثة بالدماء، قد وضع أروع وأسمى المواثيق الأخلاقية. فكان النبي الأكرم (ص) حين يبعث جيوش الإسلام إلى ميادين الجهاد، يرسم أمام أعينهم لوحةً بديعةً من المروءة والإنسانية، لئلا يمتزج غبار الشجاعة بغبار القسوة. وكان بكلماته النورانية يرسم حدود المعركة الشريفة، لئلا يخرج المنتصرون من دائرة العدل الإلهي.

في هذه المدرسة الإلهية، وعلى النقيض من الجيوش الحديثة التي تتحدث باستمرار عن استراتيجية “الأرض المحروقة” والتدمير الكامل للبنى التحتية، فإن التعدي على الطبيعة والمدنيين يُعتبر خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه. فقد أصدر النبي الأكرم (ص) أمراً صريحاً لقادته جاء فيه: “…لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبياً، ولا امرأة… ولا تقطعوا شجراً إلا أن تضطروا إليها” [1]. فأين هذا المنطق الرحماني من القصف العشوائي الوحشي الذي يخنق الأرض والإنسان اليوم في غزة؟

واستمراراً لهذه المدرسة نفسها، نجد أمير المؤمنين علياً (ع) في معركة صفين يأمر أصحابه ألا يكونوا البادئين بالقتال أبداً، ثم يأمرهم بعد النصر بأن يؤمنوا الهاربين والجرحى والمعتزلين، وألا يزرعوا بذور الحقد والكراهية [2]. هذه السيرة التاريخية المشرقة تعلّمنا أن الهدف في الفقه الشيعي لا يبرر الوسيلة أبداً، وأنه حتى في مواجهة ألد الأعداء، لا يجوز الخروج عن دائرة الأخلاق والحقوق الإنسانية الأساسية، ولا الاعتداء على وجه الإنسانية تحت شعار النصر.

الفرق بين صاروخنا وقنبلتهم: فتوى حرمة السلاح النووي في مقابل ذبح المستشفيات

العالم اليوم مذهول من تناقض كبير وواضح في ساحة المعركة؛ فمن جهة، يشاهد نظاماً سفاكاً يستخدم أحدث القنابل التي يمدّه بها الغرب ليستهدف عن سابق إصرار وتصميم المستشفيات والمدارس وملاجئ اللاجئين، ولا يخجل من ارتكاب الإبادة الجماعية. لقد أثبت الكيان الصهيوني في غزة ولبنان، بقصفه المتعمد للمراكز العلاجية، أنه لا يعترف بأي حدود أخلاقية أو دينية أو دولية للحفاظ على وجوده المزعوم، وأن المنطق الوحيد الذي يحسنه هو منطق الإرهاب والبلطجة والتدمير الشامل.

أما على الجانب الآخر من هذا الميدان، تقف أقوى قوة صاروخية وطائرات بدون طيار في المنطقة، وهي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تمتلك، باعتراف الصديق والعدو على السواء، أكثر الأسلحة دقة وإصابة، لكنها لم تُحرِّف قط رأس هذه الأسلحة نحو المدنيين. إن الفتوى التاريخية والحكيمة لقائد الثورة المعظم بحرمة إنتاج واستخدام أسلحة الدمار الشامل والنووية، إنما تنبع من هذا الفقه الشيعي الأصيل نفسه. فنحن لا نسعى إلى السلاح النووي، ليس لأننا لا نملك القدرة على تصنيعه، بل لأن مدرستنا تعتبر القتل الجماعي غير المبرر للأبرياء ذنباً لا يُغتفر.

الفرق بين صاروخنا الدقيق الذي يخترق القواعد العسكرية والتجسسية للعدو في ظلمة الليل، وبين قنابلهم التي تزن عدة أطنان والتي تسقط على رؤوس الأطفال وهم في فراش النوم، هو الفرق بين رؤيتين متضادتين للعالم؛ الأولى تعتمد على العقلانية والحسابات الدقيقة والتقوى في الحرب، والثانية تعتمد على الجنون والسادية في سفك الدماء والحقد الباطني. صواريخنا تحمل رسالة القوة وتأديب المعتدي، بينما قنابلهم ترمز إلى العجز والجبن في المواجهة المباشرة. هذا التمايز الواضح يفضح أكثر من أي وقت مضى ادعاءات الغرب الكاذبة في مجال حقوق الإنسان.

العقلانية الثورية: قوة من أجل التحرير، وليست أداة للهيمنة والاستيلاء

يحاول الأعداء دائماً، بمصطلحاتهم الكاذبة، أن يصوّروا القوة الدفاعية والإقليمية المتزايدة لإيران على أنها نوع من “الهيمنة” و”التوسع الطموح”؛ لكن حقيقة الأمر ليست سوى ما يُسمّى بـ “العقلانية الثورية”. ففي هذه العقلانية، الاعتماد على القوة العسكرية ليس من أجل الاعتداء على أراضي الآخرين أو ابتزاز الشعوب، بل هو لخلق الردع الكافي في وجه الطبيعة المفترسة للاستكبار العالمي. نحن نقوى حتى لا يجرؤ متنمّرو العالم على التعدي على حرمة استقلال وعزة هذه الأمة والأمة الإسلامية جمعاء.

إن تحرير فلسطين والدفاع عن المظلومين في غزة ليس تكتيكاً سياسياً قصير المدى، بل هو مبدأ عقائدي لا يمكن تجاوزه في مدرستنا. فقد قال أمير المؤمنين علي (ع) في مقطع مشرق من وصيته للحسنين (ع): “كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً” [3]؛ أي كونوا دائماً عوناً للمظلوم وعدواً للظالم. هذا الأمر هو بمثابة البوصلة الحقيقية للسياسة الخارجية والعقيدة العسكرية الإيرانية؛ فنحن ندفع الثمن الباهظ للصمود إلى جانب غزة، لأننا، بفضل أمر إمامنا، لا نستطيع أن نكون غير مبالين أمام صرخات الأطفال الفلسطينيين.

تعلّمنا العقلانية الثورية أنه في عالم اليوم الذي يشبه الغاب، حيث لا تفهم أمريكا وإسرائيل إلا لغة القوة وحدها، فإن طريق الحفاظ على الشرف والسلام المستدام هو أن نصبح أقوياء في جميع المجالات. نحن نصنع الصواريخ لنُبعد شبح الحرب عن هذه الأرض ونحمي حرماتها، وفي نفس الوقت نكون عوناً للمظلومين الذين توشك أنفاسهم على الانقطاع تحت أحذية الاستكبار. هذه القوة ليست تهديداً للجيران فحسب، بل هي مظلة أمنية كبيرة لجميع الشعوب الحرة في المنطقة، تصدّ بها عنهم مخططات التقسيم والفوضى الشريرة.


المصادر:

[1] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407 هـ، ج 5، ص 29، ح 1.

[2] الشريف الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة (للصبحي صالح)، الرسالة 14.

[3] الشريف الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة (للصبحي صالح)، الرسالة 47.

*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل