كان القائد الشهيد آية الله الخامنئي، في خطاباته المهمة، من خلال اختياره الهادف لآيات القرآن الكريم، يربط بين المفاهيم الإلهية وقضايا المجتمع الراهنة بربطٍ عميق.
وتعتبر دراسة أساليب الخطابة لدى قادة الثورة الإسلامية، وخاصة توظيفهم للآيات القرآنية، من الموضوعات التي تحظى بأهمية بالغة، سواء من منظور العلوم السياسية أو من منظور الدراسات الدينية.
أولاً: إن للقرآن الكريم، بصفته أهم مصدر للهداية في الفكر الإسلامي، مكانة خاصة في الثقافة السياسية الإيرانية. وقد استغل قادة الثورة هذه القدرة دائمًا لتبيين القضايا الراهنة. كما أن اختيار الآيات في أكثر المراحل التاريخية حرجًا يُظهر النظرة الاستراتيجية والمعنوية لقيادة الثورة تجاه قضايا البلاد؛ إنها نظرة تربط التاريخ بالقرآن، وتقدّم نموذجًا لتحليل ظروف اليوم. لذلك، فإن إعادة قراءة هذه الآيات وتحليل الرسائل الكامنة وراءها لا يُضيء الماضي فحسب، بل هو بمثابة مصباح للمستقبل.
من أبرز سمات أسلوب خطابات القائد الشهيد آية الله العظمى الخامنئي (خاصة في اللقاءات المهمة) كان اختياره الذكي لآيات من القرآن الكريم كمقدمة لكلماته. لم يكن هذا الاختيار عشوائيًا أبدًا، بل كانت الآيات المختارة دائمًا ذات ارتباط عميق وهادف بقضايا المجتمع الراهنة والمحاور الرئيسية للخطاب، وكانت بمثابة نور يهدي المستمعين لفهم الظروف المقبلة.
في الظروف الحرجة، كان يتلو الآية:
“هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا” (سورة الفتح، الآية 4)
وهي آية تشير إلى نزول السكينة والطمأنينة على قلوب المؤمنين أثناء حادثة صلح الحديبية.
هذا الاختيار حمل رسالة واضحة: وكما أن الله أنزل السكينة والطمأنينة على المسلمين بعد تلك الأحداث العصيبة، فستعود الطمأنينة إلى البلاد بعد أزماتها أيضًا.
في خطاب 14 خرداد 1393 (4 حزيران 2014)، تلا القائد الشهيد آية الله الخامنئي آيتين، وكل واحدة منهما تشير إلى أحد التحديات الأساسية للثورة الإسلامية:
الآية الأولى: تكريم الرواد والوحدة الداخلية
“رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ” (سورة الحشر، الآية 10)
تؤكد هذه الآية المباركة على خلق وتعزيز أجواء الأخوة والوحدة والمحبة في المجتمع الإسلامي. وهذا يعني أن على المؤمنين أن يطلبوا الخير لأنفسهم ولجميع إخوانهم في الإيمان، وأن يطهّروا قلوبهم من الحقد والحسد. وبالطبع، فإن هذه الدعوة إلى التسامح لا تعني التغاضي عن الانحرافات والمخالفات غير القانونية والتصرفات غير الشرعية؛ لأن آيات أخرى من هذه السورة تؤكد أيضًا على ضرورة الثبات أمام ناقضي العهد والمعتدين.
الآية الثانية: الصمود أمام الاستكبار العالمي
“قَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ” (سورة يونس، الآية 88)
هذه الآية هي دعاء سيدنا موسى عليه السلام في المرحلة الأخيرة من مواجهته لفرعون؛ بعد أن استخدم كل وسائل الهداية، لكن فرعون وأشراف المستكبرين من حوله أصرّوا على تكبّرهم وعنادهم.
- “مَلَأَهُ”: أي الأشراف وحاشية فرعون.
- “زِينَةً”: تشير إلى الزينة والترف الذي يجعلهم جذابين في أعين الناس.
- “اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ”: أي إتلاف ثرواتهم وجعلها بلا قيمة.
بتلاوة هذه الآية، لفت القائد الشهيد آية الله العظمى الخامنئي أنظار المراقبين المحليين والدوليين إلى أهم صفة لفرعون (ألا وهي الاستكبار) وإلى أبرز مصداق لها في العصر الحاضر: حكومة الولايات المتحدة الأمريكية
أمريكا التي تملك، مثل فرعون، نزعة الهيمنة والتسلط، وتعتدي على الدول الأخرى مستغلة زينتها وإمكاناتها الاقتصادية، وترفض قبول الحق.
أمريكا التي عملت خلال العقود الأربعة الماضية بكل أنواع المؤامرات ضد الجمهورية الإسلامية؛ بدءًا من مساعدة صدام في الحرب المفروضة، والتخطيط للانقلابات، وصولاً إلى الحظر الظالم، وإثارة الفتن الداخلية، والحروب الإعلامية، وحتى اغتيال العلماء الإيرانيين.
في هذا الخطاب، رسم القائد الشهيد آية الله الخامنئي، بتلاوته هاتين الآيتين، خريطة طريق للثورة لمواجهة تحديين أساسيين:
- أمام التحدي الداخلي (إثارة الفرقة والانقسام في المجتمع)، قدّم حل التماسك الداخلي والوحدة والأخوة.
- أمام التحدي الخارجي (عداء ومواجهة الاستكبار العالمي، وخاصة أمريكا)، أوصى بحل الصمود والثبات على الطريق الإلهي والوقوف في وجه الظلم.
هذه الآيات هي مصابيح لا يزال ضياؤها ينير طريق المستقبل.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





