يُعدّ الظلم ظاهرة شريرة رافقت المجتمعات البشرية عبر التاريخ. وما أثبته التاريخ مراراً هو أن الظلم لا يزول بالمفاوضات والمسايرة، بل يُواجه بالصمود والمقاومة. فالتفاوض مع الظالم لا يوقف الظلم، بل يزيده جرأة ويُرسّخ جذوره.
نطاق معنى الظلم في القرآن ونهج البلاغة
يولي القرآن الكريم اهتماماً كبيراً بمسألة مكافحة الظلم، وقد وردت مئات الآيات التي تتناول هذه القضية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وفي الرؤية الدينية لا يقتصر مفهوم الظلم على الاعتداء الجسدي فحسب، بل يتسع ليشمل صوراً أعمق من الانحراف والاعتداء. ومن ذلك أن الشرك بالله وُصف بأنه ظلم عظيم، كما في قوله تعالى:
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (1).
غير أن ما يكتسب أهمية خاصة في العلاقات الاجتماعية هو ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.
ويقول أمير المؤمنين علي (ع)، رافضاً اقتراحاً يقوم على ظلم الناس:
«أَتَأْمُرُونَنِي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالظُّلْمِ عَلَى مَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ؟ وَاللَّهِ لَا أَطْلُبُهُ مَا سَمَرَ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ» (2).
وهذا القول يكشف أن العدالة، عند أمير المؤمنين (ع)، خطٌّ أحمر لا يمكن تجاوزه حتى بحجة تثبيت السلطة أو تحقيق النصر.
الصمت في وجه الظلم: تواطؤ في الجريمة
من الآيات القرآنية الدالة على أن السكوت وعدم التحرك ليسا حلاً، قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (3).
وفي تفسير هذه الآية يبيّن العلامة الطباطبائي أن المقصود بـ«النسيان» هنا ليس النسيان الذهني، بل أن يفقد التذكير تأثيره في القلوب. والأهم من ذلك أنه يقرر أن الله تعالى عدَّ الذين التزموا الصمت ولم يقطعوا صلتهم بالظالمين شركاء لهم في الظلم والفسق. وهذا التحليل يكشف أن المسايرة مع الظالم قد تجعل الإنسان في عداد المتواطئين معه (4).
ويقول النبي الأكرم (ص) في حديث تحذيري:
«إذا رأى الناس ظالماً فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمّهم الله بعقاب منه» (5).
كما يؤكد الإمام الحسين (ع) في خطبته الشهيرة في منى، التي حضرها جمع من نخبة المجتمع الإسلامي، أن تسلط الحكام الظالمين على المجتمع إنما يحدث بسبب سكوت النخبة وأهل التأثير (6). فإذا استطاع حاكم أن يمارس الظلم ويخرج عن دائرة العدالة، فإن ذلك غالباً ما يكون نتيجة صمت الخواص وتخاذلهم.
فلسفة القيام: من نهج البلاغة إلى أقوال الكبار
أمير المؤمنين علي (ع)، الذي جسّد العدالة ومكافحة الظلم في سيرته العملية، لم يسلك طريق المساومة مع الظالمين. ففي رسالته إلى مالك الأشتر يقول:
«تَعَهَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صَلَاحِهِ وَصَلَاحِهِمْ صَلَاحَ مَا سِوَاهُمْ…» (7).
أي إن إدارة شؤون المجتمع ينبغي أن تقوم على أساس العدالة وصلاح الناس، لأن صلاح المجتمع كله مرتبط بذلك.
وفي الرسالة نفسها يوصيه قائلاً:
«أَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ».
وهذه التوصية تؤكد أن الحاكم يجب أن يكون راعياً عادلاً للناس، لا متسلطاً عليهم.
ويقول أمير المؤمنين (ع) أيضاً:
«أَلَا وَإِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِيَ وَهَدَى… وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَأَضَلَّ» (8).
وهذا القول يوضح بجلاء لماذا لا يكون التفاوض مع الحاكم الجائر طريقاً للإصلاح، بل قد يؤدي إلى تثبيت ظلمه وإضفاء الشرعية عليه. ولذلك فإن مواجهة الظلم تكون بالقيام ضده، لا بالمساومة معه.
مكافحة الظلم في ميثاق حقوق الإنسان
ومن اللافت أن هذه التعاليم العلوية تحمل طابعاً إنسانياً عالمياً، حتى إن صداها ظهر في بعض الوثائق الدولية الحديثة. فقد أشار كوفي عنان، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، في خطاب له بمناسبة الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلى مضامين من رسالة الإمام علي (ع) إلى مالك الأشتر. وهذا يدل على أن رسالة العدالة التي حملها علي بن أبي طالب (ع) ليست محصورة بزمان أو مكان.
المقاومة هي الحل الوحيد
وبناءً على ذلك، فإن المقاومة تمثل الطريق الإلهي والإنساني لمواجهة الظلم، لأن الظلم بطبيعته يميل إلى التوسع والتمادي إذا لم يجد من يردعه. يقول تعالى:
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً﴾ (9).
وهذا الوعد الإلهي لا يتحقق إلا إذا تحرك الناس أنفسهم لمواجهة الظلم. فسنّة الله تقضي بأن القوم إذا سكتوا عن الظلم وتخلّوا عن مقاومته، عمّهم البلاء.
ويقول الإمام الحسين (ع) في كربلاء:
«إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلَا بَطِراً وَلَا مُفْسِداً وَلَا ظَالِماً، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي» (10).
إن كلمة القيام هي المفتاح الحقيقي للإصلاح، لا الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الظالمين. ولذلك فإن تطهير المجتمعات من الظلم لا يتحقق بالمسايرة والمساومة، بل بالقيام في وجه الظالم، وبإحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالطريق واضح: إنه طريق أمير المؤمنين (ع) والإمام الحسين (ع) وكل الأحرار عبر التاريخ؛ الطريق الذي يُقتلع فيه الظلم من جذوره، لا الذي يُساوَم عليه.
الأساس الفلسفي لمواجهة الظلم
الظلم بطبيعته يميل إلى التوسع والتمادي إذا لم يجد من يوقفه. لذا، فإن مجرد التفاوض مع الظالم أو المسايرة له لا يردعه، بل قد يمنحه إحساساً بالشرعية ويشجعه على الاستمرار في سلوكه الجائر. مواجهة الظلم لا تقتصر على فعل أخلاقي، بل هي ضرورة وجودية واجتماعية لحماية كيان المجتمع واستقرار العدالة.
في هذا الإطار، يظهر أن المقاومة والصمود هما السبيل الفعّال لوقف الظلم، لأنهما يضعان حدّاً للتوسع ويعيدان التوازن بين الحقوق والواجبات. الإمام الحسين (ع) جسّد هذا المبدأ عملياً؛ إذ اختار القيام بالحق بدلاً من التفاوض، مبرزاً أن إزالة الظلم تتطلب القدرة الأخلاقية والفعلية معاً، وليس الاكتفاء بالكلام أو المساومة.
بهذا تتضح الفكرة الجوهرية: أن الصمود والمقاومة هما السبيل الوحيد لإزالة الظلم، ويشكلان امتداداً عملياً لقيم العدالة والحق عبر التاريخ.
*ترجمة وتوضيح مركز الإسلام الأصيل





