مرت أربعون يوماً على استشهاد قائد الثورة المعظم، ومع ذلك، لم تترنح الأمة الإيرانية ولا شعور الأمة بالإيمان والثبات. بل على العكس، أظهرت ملحمة عظيمة في التمسك بالولاية والبصيرة، وحوّلت حزن الفقد إلى فخر خالد لا يزول. لقد أثبت الشعب الإيراني أنه قادر على مواجهة الصعاب وتحويل الألم الشخصي والجماعي إلى قوة دافعة، كما أظهر بوضوح قدرته على تحطيم هيبة أمريكا والكيان الصهيوني الوهمية، وبث الأمل في أفق النظام العالمي الجديد، ممهداً الطريق لظهور المنقذ العالمي، المهدي (عج).
لقد كان استشهاد القائد ضربة قوية لجسد الأمة، إذ لم يقتصر تأثيره على الجانب النفسي فحسب، بل حمل في طياته اختباراً عميقاً لإرادة الأمة وإيمانها. لكن الشعب الإيراني، بحضوره الملحمي في الشوارع، واعتماده على التعاليم القرآنية التي تؤكد أن الدين الإسلامي قائم على الرسالة وليس على شخص النبي وحده، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [1]، أبدى صموداً ومتانة في مواجهة هذه الصدمة. وقد أبطل هذا الشعب، بوعي وإرادة، أي شبهة أو شكوك عن حيرة الأمة بعد فقدان قائدها، وجعل دم القائد الطاهر مصدر قوة وامتثال لأوامر الله، بما أجبر القوى المتغطرسة في العالم على إعادة النظر في سياساتهم واستراتيجياتهم، وأكدوا على أن إرادة الشعب الإيراني لا يمكن تجاهلها.
أربعون يوماً تحول فيها الحزن إلى ملحمة
كان استشهاد قائد الثورة ضربة قاسية للأمة الإيرانية، ولكن بخلاف الأمم الأخرى التي قد تنحني أمام الحزن عند فقدان قادتها، فقد أظهر الشعب الإيراني، بحضور ملحمي وعزيمة صلبة، قدرة استثنائية على تحويل ألم الفقد إلى ملحمة عظيمة، مؤكداً على تمسكه بقيمه ومبادئه الإسلامية. لقد أبطل هذا الشعب كل التصورات التي قد تشير إلى حيرة الأمة بعد فقدان قائدها، وجعل من هذا الحدث مناسبة لتجسيد الولاء والثبات.
أربعون يوماً من الفراق، أربعون يوماً من الفخر
مرت أربعون يوماً على استشهاد مقتدانا وإمامنا الشهيد، أبي الأمة، وبينما صاحب هذه الفترة ألم الفراق العظيم وشوق كبير، فقد أظهر الشعب الإيراني من خلال حزنه وعزائه القوة والملحمة والاقتدار. لقد أبانت هذه التجربة العظيمة عن مدى عمق بصيرة الأمة وولائها ووفائها للعالم بأسره، وأكدت أن الشعب الإيراني، بفضل تربية وهداية القائد الشهيد، وجد طريقه الصحيح، وتعلم دروسه التاريخية، وتجاوز الاختبارات الصعبة التي وضعها الله أمامه.
ويؤكد القرآن الكريم أن الأمة لا تقوم على شخصية النبي وحدها، بل على الرسالة والمبادئ التي حملها، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾ [2]. لقد جعل الشعب الإيراني القائد الشهيد حياً في مسار عمله ومدرسته أكثر من أي وقت مضى، متمسكاً بروح التضحية والثبات، ومصمماً على مواصلة الطريق الذي رسمه القائد الشهيد. وهذا الشعب العظيم اجتاز امتحانه بنجاح، وأثبت أنه جدير بوسام شرف أمة الإمام الحسين (ع)، وهو قادر على مواجهة كل الصعاب.
وكما قال مؤسس الجمهورية الإسلامية في مدح هذا الشعب:
“أنا أدعي بجرأة أن الشعب الإيراني وتياره المليوني في العصر الحاضر، أفضل من شعب الحجاز في عهد رسول الله (ص) والكوفة والعراق في عهد أمير المؤمنين والحسين بن علي (ع)… ينبغي للإسلام أن يفتخر بتربية مثل هؤلاء الأبناء، ونحن جميعاً نفخر بأننا في مثل هذا العصر وبين يدي هذا الشعب.” [3]
كما عبّر قائدنا الشهيد البصير عن معرفته العميقة بهذا الشعب، فقال مخاطباً أمته:
“الشعب الإيراني يعرف دروسه الإسلامية والشيعية جيداً. إنه يعرف ما يجب عليه فعله.” [4]
وفي عبارة بالغة المعنى، أكد الشهيد:
“إذا حدث حادث للبلاد، فإن الله تعالى سيبعث هذا الشعب لمواجهة الأحداث، وسيُنهي الشعب الأمر.” [5]
لقد بقي قائدنا الشهيد في الميدان بشجاعة وصلابة، ضاحياً بنفسه من أجل عظمة الإسلام الأصيل وعزة إيران العزيزة. لقد جرى دم هذا القائد العظيم في عروق الشعب الإيراني منذ أربعين يوماً، فخرجوا إلى الميادين، وبفضل الله، حطموا هيبة أمريكا الوهمية، وأذلوا من يتغطرس من القوى الغربية، وسحقوا الكيان الصهيوني الغاصب تحت أقدامهم، وهم يعملون على التأثير في النظام العالمي الجديد، ويهيئون، لظهور منقذ البشرية في أقرب وقت.
المصدر: المركز الوطني للدراسات والرد على الشبهات في الحوزات العلمية
الهوامش:
[1] سورة آل عمران، الآية 144
[2] سورة آل عمران، الآية 144.
[3] صحيفة الإمام، ج 21، ص 410.
[4] كلمة قائد الثورة الشهيد في لقاء أبناء أذربيجان الشرقية، 17 شباط 2026.
[5] كلمة قائد الثورة الشهيد في لقاء مع الناس، 31 كانون الثاني 2026.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل