إنّ القرآن الكريم يوجّه النظر إلى حقيقةٍ دقيقة، وهي أنّ الثبات لا يُستمدّ من الخارج، بل يُبنى من الداخل، وأنّ مصدر هذا البناء هو الإيمان بالله تعالى، بما هو ارتباطٌ واعٍ بمطلق القدرة والحكمة والرحمة.

وفي البداية لابد لنا من توضيح المقصود من الإيمان في مقالتنا هذه، فهو ليس كل إيمان وإنما هو الإيمان بالله سبحانه، وبرسوله صلى الله عليه وآله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر وان كلّ شيء في هذا العالم بأمر الله ومشيئته.

إذا عرفت ذلك فاعلم: ان النفس الإنسانية وما فيها من خلجات وملكات أو قوى سبعية أو شهوية تظهر في ظروف معينة ، خصوصا تلك التي تكون اشد بلاء وأكثر قسوة ، أمثال الحروب والفقر والمجاعة ونزول الكوارث التي تجعل الإنسان بلا مأوى أو طعام أو ما شابه ذلك. 

فالحربُ مثلا تكشف ما في داخل الإنسان، فإنّ السؤال عن وسيلة الثبات لا يمكن أن يكون سؤالاً هامشياً، بل هو سؤالٌ عن جوهر البناء الإنساني: ما الذي يجعل الإنسان ثابتاً حين تضطرب الأرض من تحته؟ وما الذي يمنحه القدرة على الاستمرار، حين تتداعى الأسباب من حوله؟

إنّ القرآن الكريم يوجّه النظر إلى حقيقةٍ دقيقة، وهي أنّ الثبات لا يُستمدّ من الخارج، بل يُبنى من الداخل، وأنّ مصدر هذا البناء هو الإيمان بالله تعالى، بما هو ارتباطٌ واعٍ بمطلق القدرة والحكمة والرحمة.

الإيمان بالله: من فوضى الأحداث إلى نظام الحكمة:

حين ينظر الإنسان إلى الأحداث بمنظارٍ ماديٍّ صرف، تبدو له الحياة سلسلةً من الوقائع المتناثرة، التي لا يجمعها نظام، ولا يحكمها غرض. ومن هنا ينشأ القلق؛ لأنّ النفس لا تطمئنّ في عالمٍ بلا معنى.

غير أنّ القرآن ينقل الإنسان من هذا الأفق الضيّق إلى أفقٍ أوسع، حيث يرى أنّ كلّ ما يجري إنّما يقع ضمن علم الله وإرادته، كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}،{وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

وهنا يبدأ التحوّل:فالأحداث لم تعد فوضى، بل أصبحت جزءاً من نظامٍ محكومٍ بالعلم والقدرة.

ثم يرتقي القرآن بهذا المعنى إلى مستوى أعمق، حين يقرن العلم والقدرة بالحكمة، كما في قوله تعالى:{وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}.

فليس كلّ ما يجري معلومٌ ومقدور فحسب، بل هو أيضاً محكومٌ بالحكمة، وإن خفي وجهها.

وهذا الإدراك كفيلٌ بأن يُحدث في النفس انقلاباً جذرياً؛ إذ لا تعود المصيبة عبثاً، ولا الخسارة ضياعاً، بل تتحوّل إلى جزءٍ من مسارٍ له غاية.

التوكّل و تحرير النفس من عبودية الأسباب:

غير أنّ الإيمان بالله لا يقف عند حدود المعرفة النظرية، بل يتجلّى في سلوكٍ عمليّ، من أبرز مظاهره التوكّل.

وقد عبّر القرآن عن هذه الحقيقة بأبلغ بيان، في قوله تعالى:{وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.

إنّ هذه الآية لا تعدُ الإنسان بالكفاية فحسب، بل تُنشئ في داخله شعوراً بأنّ هناك سنداً مطلقاً، لا يتخلّف ولا يضعف.

وفي مقابل ذلك، يبيّن القرآن حالة الاضطراب التي يعيشها من يعلّق قلبه بالأسباب المادية وحدها، إذ تبقى نفسه رهينةً لتقلّباتها.

أمّا المتوكّل، فإنّه: يأخذ بالأسباب، لكنّه لا يتعلّق بها ، ويعمل، لكنّه لا ينهار إذا لم تتحقّق النتائج كما أراد ، وهذا هو معنى التحرّر الحقيقي.

التفويض هو السكينة في قلب العاصفة:

وإذا كان التوكّل هو الاعتماد على الله مع العمل، فإنّ التفويض هو تسليم الأمر إليه بعد بذل الجهد.

وقد صوّر القرآن هذه الحالة في أروع مشاهدها، في قول المؤمن من آل فرعون: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}.

إنّ التفويض ليس انسحاباً من الواقع، بل هو ذروة الوعي به؛ لأنّ الإنسان يدرك أنّ قدرته محدودة، وأنّ ما وراء جهده متروكٌ لحكمة الله.

ومن هنا، تنشأ حالةٌ من السكينة العميقة، لا تُنافي العمل، بل ترافقه، وتمنع تحوّله إلى قلقٍ مُنهك.

الإيمان بالرسول (ص): من المعنى إلى النموذج:

غير أنّ الإنسان، وإن أدرك المعنى، يبقى بحاجةٍ إلى نموذجٍ يُجسّده في الواقع. وهنا يأتي دور الإيمان برسول الله صلى الله عليه وآله.

فالقرآن لم يقدّم النبيّ(ص) بوصفه مبلغاً فحسب، بل بوصفه أسوةً حسنة، كما في قوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.

وحين يستحضر الإنسان مواقفه في الشدائد – في أُحد والأحزاب وغيرها – يجد صورةً حيّة لكيفية الثبات، حيث يجتمع: الألم مع الصبر ،والخطر مع الطمأنينة ،والعمل مع التوكّل . وهكذا يتحوّل الإيمان من فكرةٍ إلى منهجٍ عمليّ.

الإيمان بالآخرة وتوسيع أفق الإنسان:

ومن أعظم ما يمنح الإنسان القدرة على التحمّل، أن لا يحصر نظره في هذه الحياة الدنيا.

فالقرآن يلفت النظر إلى حقيقةٍ كبرى، وهي أنّ الحياة الدنيا ليست إلا مرحلةً عابرة، كما في قوله تعالى: {وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ}.

حين يستقرّ هذا المعنى في النفس فسوف يتغيّر مفهوم الخسارة ، ويتحوّل الموت من فناءٍ إلى انتقال ، ويصبح الظلم مؤقتاً، لا مطلقاً.

ومن هنا، لا يعود الإنسان أسيراً للحظة، بل يعيش ضمن أفقٍ أوسع، يخفّف عنه وطأة الألم.

الإيمان بالقدر وإغلاق باب الصراع الداخلي:

يبقى عنصرٌ أساسيّ في بناء هذا الحصن، وهو الإيمان بالقدر.

فالإنسان إذا لم يؤمن بأنّ ما وقع إنّما وقع بعلم الله وإذنه، بقي أسير سؤالٍ لا ينتهي: لماذا حدث هذا؟ ولو أنّي فعلت كذا لما حدث كذا….

وهذا ما يعالجه القرآن بقوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}،{قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}.

إنّ هذه الآيات لا تدعو إلى السلبية، بل إلى تحرير النفس من الندم المدمّر، ومن الدوران في الماضي، ليتوجّه الإنسان إلى الحاضر والعمل.

الحصن الذي لا يُرى… لكنه يحمي كلّ شيء:

وهكذا، تتكامل عناصر الإيمان:

 ١- بالله: فيمنح المعنى، ٢- وبالرسول: فيقدّم النموذج، ٣- وبالآخرة: فيوسّع الأفق، ٤- وبالقدر: فيثبّت القلب.

فتنشأ في داخل الإنسان بنيةٌ لا تُرى، ولكنّها تحميه من الانهيار.

إنّه حصنٌ وجوديّ، لا تُهدم جدرانه بالقصف، ولا تُزعزع أركانه بالخوف، لأنّه مبنيٌّ على يقينٍ يتجاوز الظاهر إلى الحقيقة.

واخيراً أقول: 

إذا كانت الحرب تكشف الإنسان، فإنّ الإيمان هو الذي يعيد بناءه.

وإذا كانت الأحداث تضغط عليه من الخارج، فإنّ هذا البناء يمنحه قدرةً على الثبات من الداخل.

فليس الثبات أن لا يتألم الإنسان، بل أن لا يتحوّل ألمه إلى انهيار.

وهذا ما يصنعه الإيمان، حين يتحوّل من فكرةٍ تُقال، إلى يقينٍ يُعاش.

نسأل الله تعالى أن يجعل قلوبنا عامرةً بالإيمان، وأن يرزقنا صدق التوكّل عليه، وحسن التفويض إليه.

والحمد لله ربّ العالمين.

بقلم الأستاذ آية الله السيد فاضل الموسوي الجابري

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل