لا مبرّر للقلق في وعي المجتمع المؤمن؛ فخاتمة هذا المسار ليست نصرًا عابرًا، بل وعدٌ إلهيّ حتميّ لا يتخلّف. نحن في جبهةٍ لا تُتصوَّر فيها الهزيمة إلا وهماً؛ فمهما اشتدّت قسوة الحرب، فإنها تظلّ جزءًا من تدبيرٍ أعلى، يتجه في محصّلته إلى غلبة الحق وقيام العدل الإلهي في نهاية المطاف.
وبحسب تقرير وكالة «حوزة» للأنباء، نقدّم لقرّائنا عرضًا تحليليًا لمفهوم الحرب في إطار «النظام التكويني»، مستندًا إلى تصريحات العلامة الراحل الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي (رحمه الله).
في هذه الأيام، حيث صار دويّ صفّارات الإنذار وتدفّق الأخبار المقلقة جزءًا من إيقاع الحياة اليومية، يبرز سؤال ملحّ في الوعي الجمعي: لماذا؟ لماذا تُراق الدماء في عالمٍ خالقه الخير المطلق؟ وهل يقع هذا الدمار خارج نظام الخلق وتدبيره؟
الجواب يتجلّى حين نتجاوز ظاهر الأحداث إلى عمقها؛ فالحرب، في منظور أعمق، ليست حدثًا عشوائيًا، بل تقع ضمن تدبير دقيق في بنية النظام التكويني. نحن نعيش لحظة شديدة الاحتدام، لكنها ليست خارج الحساب، ولا منفصلة عن سنن جارية تحكم حركة التاريخ.
1. نعمة الاختيار وثمنها
أول ما ينبغي إدراكه هو عظمة نعمة الاختيار. فالإنسان، بخلاف الملائكة، لم يُخلق على الجبر، بل مُنح حرية الفعل. ولم يشأ الله أن يفرض سلامًا قسريًا؛ لأن كمال الإنسان لا يتحقق إلا في أفق الحرية. ولو سُلبت من الإنسان القدرة على الظلم، لانتفى في المقابل معنى الكمال المرتبط بالاستخلاف. ومن هنا، فإن إمكانية وقوع الحرب هي من لوازم هذه الحرية، وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى: {إني أعلم ما لا تعلمون} (البقرة: 30).
2. توازن القوى ومنع الاستبداد المطلق
من الهواجس الكبرى الخشية من هيمنة الباطل هيمنةً مطلقة، غير أن السنن الإلهية تحول دون ذلك؛ إذ يقوم نظام الخلق على توازن دقيق يمنع تركز القوة في يد طرف واحد. وفي هذا السياق تأتي الآية الكريمة: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} (البقرة: 251)، لتؤكد أن الصراع ذاته قد يكون أداة لحفظ التوازن ومنع فساد أعظم. كما تشير آيات أخرى، منها آية 40 من سورة الحج، إلى أن الله لا يمكّن للباطل بحيث يستأصل جبهة الحق.
3. الحرب بوصفها عقوبة وإيقاظًا
قد تكون الحرب في بعض الأحيان لونًا من العقوبة العادلة حين يبلغ الفساد حدًّا لا يُرجى معه إصلاح. وفي هذه الحالة، يتحقق الجزاء الإلهي على أيدي المؤمنين: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} (التوبة: 14). وفي أحيان أخرى، تكون الحرب وسيلة إيقاظ للمؤمنين أنفسهم، حين يتسلل إليهم الوهن والغفلة، كما في قوله تعالى: {يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض} (الأنعام: 65).
4. البركة الكامنة في قلب الشدائد
رغم ما تحمله الحرب من ألم ودمار، فإن التاريخ يكشف عن وجه آخر لها؛ إذ كثيرًا ما تكون الشدائد منطلقًا للتحوّل والنهوض. فهي توقظ طاقات المجتمع، وتدفعه إلى تجاوز ضعفه، وتُعيد إليه روح المبادرة والاعتماد على الذات. وفي هذا السياق يأتي قوله تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم} (البقرة: 216)، ليكشف عن هذا البعد العميق.
5. ميدان التمحيص والتمييز
تُعدّ هذه اللحظات ميدانًا حقيقيًا للتمحيص؛ ففي أزمنة الرخاء تختلط الدعوى بالحقيقة، أما في أزمنة الشدة، فإن المواقف تكشف الجوهر. وهنا تتمايز الصفوف، ويتبيّن الصادق من المدّعي، كما يشير قوله تعالى: {وليمحص الله الذين آمنوا ويدمر الكافرين} (آل عمران: 141).
6. لا مبرّر للقلق
في ضوء هذه السنن، لا يبقى مجال للقلق؛ فالمسار العام للتاريخ محكوم بوعد إلهي لا يتخلّف: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} (المجادلة: 21). ومن ثمّ، فإن كل ما نشهده من صراعات، مهما بلغت شدّتها، إنما يندرج ضمن مسار أكبر، غايته النهائية انتصار الحق وقيام العدل الإلهي.
المصدر: مأخوذ من كتاب «الحرب والجهاد في القرآن»، الفصل الثاني، الصفحات 25–78.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل