كيف نتعامل مع الشخص المضطرب؟

القلق مرآةٌ دقيقة يتأمّل فيها الإنسان ظلال مخاوفه الكامنة، سواء أكانت معروفة أم غامضة؛ ومن هنا، فإن طريق الخلاص لا يبدأ بإنكار هذا الظل، بل بفهمه والتعرّف عليه بوعيٍ وهدوء.

وبحسب تقرير وكالة «حوزة» للأنباء، فإن سبل التخفيف من القلق تقوم على جملةٍ من الأسس المتكاملة، من أبرزها: التعرف على أسبابه الحقيقية، وبناء علاقة قائمة على التعاطف، والاهتمام بالنوم الكافي والتغذية السليمة، وتنظيم الأفكار والتخطيط الذهني، وممارسة التنفّس الواعي، وتعزيز السلوكيات الإيجابية لدى الشخص القَلِق؛ إذ يُعدّ التعاطف وتجنّب النقد المفتاح الأهم لتهدئة هذا الاضطراب.

في هذا المقال، نعرض أولًا ماهية القلق وأبرز مظاهره، ثم ننتقل إلى بيان أفضل السبل العملية للتعامل مع الشخص الذي يعاني منه.

الجزء الأول: ما هو اضطراب القلق؟

القلق في اللغة يدل على الاضطراب وعدم الاستقرار والانزعاج، وهو في الاصطلاح حالة داخلية من التوتر والخوف المبهم، قد يكون مصدرها معلومًا أحيانًا، ومجهولًا أحيانًا أخرى.

ولا يقتصر القلق على كونه حالة نفسية فحسب، بل يترافق مع مظاهر جسدية وفسيولوجية واضحة، إذ يثير حالة من الاستنفار الداخلي لدى الإنسان، وإذا استمر أو تكرر، فإنه قد يخلّف آثارًا سلبية على الصحة النفسية والجسدية معًا.

كما أن تكرار التعرّض لمواقف ضاغطة أو مؤلمة في الماضي قد يجعل الإنسان أكثر عرضة للشعور بالقلق عند مواجهة مواقف مشابهة في المستقبل.

والأصل أن القلق شعور إنساني عام يمر به جميع الناس، إلا أن تحوّله إلى حالة مزمنة أو شديدة يجعله خارجًا عن حدّه الطبيعي ومصدرًا لمشكلات متعددة. وهذا الاضطراب لا يختص بعمرٍ دون آخر، بل يصيب الأطفال والبالغين على السواء، وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة انتشاره خلال الحياة قد تصل إلى 45%، مع ملاحظة أن النساء أكثر عرضة للإصابة به مقارنة بالرجال بنحو الضعف.

من هي الشخصية القلِقة؟

يطلق وصف «الشخصية القلِقة» على الإنسان الذي يغلب عليه التوتر والانشغال الذهني في معظم المواقف، سواء أكانت صغيرة أم كبيرة، حتى يصبح القلق سمةً شبه ملازمة لتفكيره وسلوكه.

فمثل هذا الشخص لا ينظر إلى التغيّرات الكبرى في الحياة بوصفها فرصًا للنمو والتحدي، بل يراها مصادر تهديد تدعو إلى التوجّس والانقباض، مما ينعكس على طريقة تفاعله مع محيطه.

الأعراض الشائعة لاضطراب القلق

تتنوّع أعراض القلق بين الجوانب الجسدية والإدراكية والانفعالية، فمن الناحية الجسدية قد تظهر أعراض مثل: ارتعاش خفيف في الجفون، واتساع حدقة العين، وتعرّق راحتي اليدين، وشحوب الوجه، والرعشة، وآلام العضلات، واضطرابات النوم، وصعوبة في الكلام، وتسارع التنفّس أو عدم انتظامه، وضيق النفس، والشعور بألم في الصدر، إضافة إلى تغيّر الشهية بالزيادة أو النقصان.

أما من الناحية الإدراكية والانفعالية، فتظهر في صورة عدم القدرة على الاسترخاء أو التركيز، وصعوبة حل المشكلات، والشعور المستمر بالقلق وعدم الارتياح، وسرعة الانفعال، واضطراب المزاج، والتردد في اتخاذ القرار، والشعور بالذنب أو التقصير، والإحساس بالوحدة أو نقص المحبة، بل وقد يصل الأمر إلى الغضب أو السلوكيات السلبية.

ما العوامل التي تزيد من احتمال الإصابة بالقلق؟

تتداخل عدة عوامل في رفع مستوى القلق لدى الإنسان، ومن أبرزها طبيعة الجنس، حيث تشير الدراسات إلى اختلاف معدلات الإصابة بين الرجال والنساء، كما تلعب تجارب الطفولة، ولا سيما الصدمات النفسية أو القلق المرتبط بمرضٍ ما، دورًا مهمًا في تشكيل القابلية للقلق.

ويُضاف إلى ذلك تراكم الضغوط الحياتية، سواء أكانت حدثًا كبيرًا مفاجئًا أم تراكمًا تدريجيًا لمشكلات صغيرة، فضلًا عن السمات الشخصية التي تميل إلى الحساسية الزائدة أو التفكير المفرط، وكذلك وجود تاريخ عائلي للقلق، مما يعزّز الاستعداد الوراثي له.

كما أن تعاطي المواد الضارة كالمخدرات أو الكحول يسهم في تفاقم القلق واضطرابه.

طرق التعامل مع القلق

يمكن التخفيف من القلق عبر مجموعة من الممارسات اليومية التي تعيد التوازن إلى النفس والجسد، مثل الحرص على النوم الكافي، والمحافظة على الابتسامة، وتنظيم الأفكار والتخلّص من الفوضى الذهنية، واعتماد نظام غذائي متوازن، وتعلّم تقنيات التنفّس العميق والواعي.

كما أن تخصيص وقت للراحة والترفيه، وممارسة الصمت والتأمل، والتخطيط المسبق للأعمال اليومية، واستخدام الروائح المريحة، وقضاء أوقات ممتعة مع الأصدقاء، كل ذلك يسهم في تهدئة القلق وتقليل حدّته.

الجزء الثاني: كيف نساعد الشخص القلِق؟

إن مساعدة الشخص الذي يعاني من القلق تُعدّ من التحديات الإنسانية الدقيقة، لا سيما إذا كان هذا الشخص قريبًا كأحد أفراد الأسرة أو صديقًا أو زميل عمل. وفهم الأسباب الكامنة وراء قلقه يمكّننا من دعمه بطريقة صحيحة دون أن نزيد معاناته من حيث لا نشعر.

فقد يظهر القلق في صور متعددة؛ كخوفٍ مفرط يمنع الإنسان من أداء مهامه، أو تأجيلٍ دائم للأعمال المهمة، أو شعورٍ بالوحدة يقابله انسحاب من العلاقات، أو حتى تدقيقٍ مفرط في التفاصيل يسبب توترًا للآخرين.

كيف يمكننا المساعدة؟

أول ما ينبغي إدراكه أن القلق ليس عيبًا، بل سمة إنسانية طبيعية، بل قد يكون في بعض الأحيان عاملًا وقائيًا يدفع الإنسان إلى الحذر وتجنّب الأخطاء. غير أن المشكلة تنشأ حين يتحوّل إلى نمطٍ مفرط من التفكير والاجترار، سواء في استحضار الماضي أو القلق من المستقبل.

ومن هنا، فإن مساعدة الشخص القلِق تبدأ بفهم أسبابه من خلال الحوار الهادئ، ومحاولة التعرّف على خلفياته النفسية أو الصحية، مع الانتباه إلى أن بعض الحالات قد ترتبط بأمراض جسدية كامنة.

كما ينبغي التعرّف على نوع القلق الذي يعاني منه، لأن لكل نوعٍ خصائصه وأساليب التعامل المناسبة له.

ومن المهم كذلك مراعاة مشاعر الشخص القلِق وفهم حالته الداخلية، فالقلق تجربة غير مريحة، وتقدير هذه المعاناة يساعد على اختيار الأسلوب الأنسب لاحتوائه.

ويُعدّ الإصغاء الجيّد من أهم وسائل الدعم؛ إذ ينبغي الاستماع بانتباه، واستخدام عبارات تؤكد الفهم، وطرح أسئلة مفتوحة تساعده على التعبير، مع منحه اهتمامًا كاملًا دون تشتيت.

كما أن إظهار التعاطف الصادق، وتجنّب إصدار الأحكام، ومحاولة مشاركة التجربة الإنسانية المشتركة، يعزّز شعوره بالأمان.

ومن المفيد أيضًا ملاحظة العلامات الظاهرة للقلق، كالاضطراب أو سرعة التنفّس أو التعرّق، لفهم حالته بشكل أدق.

وفي العلاقات اليومية، ينبغي مراعاة أن بعض الأنشطة التي تبدو طبيعية للآخرين قد تثير القلق لديه، لذلك من الحكمة تجنّب ما يسبب له التوتر.

كما أن تعزيز السلوكيات الإيجابية لديه، وتشجيعه عند تحقيق أي تقدّم، يسهم في بناء ثقته بنفسه، في حين أن النقد أو اللوم قد يؤديان إلى نتائج عكسية ويزيدان من حدة القلق.

ومن الوسائل المؤثرة كذلك تهيئة أجواء هادئة ومريحة، واختيار كلمات لطيفة تبعث الطمأنينة، إضافة إلى المساعدة في تخفيف الأعباء والضغوط اليومية عنه.

كلمة أخيرة

إن مساعدة الشخص القلِق ليست مهمة سهلة دائمًا، وقد يخطئ الإنسان في بعض الأساليب، غير أن تذكّر أن الطرفين يبذلان جهدهما للتغلب على هذه الحالة يمنح العلاقة مزيدًا من الصبر والتفهّم، ويفتح بابًا حقيقيًا نحو التعافي والسكينة.

المصدر: موقع «راسخون»

ترجمة وتحرير مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

الأحكام الشرعية | الاستثمار في دول العدو
السؤال/ السلام عليكم هناك مقولة تقول " لن تدخل بعملك بل بعفو الله والله يقول " وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين "ويقول " فإن الله لا يضيع أجر المحسنين "ويقول " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره" فلو كان المؤمن واقف على الحدود ، ويعمل الصالحات الا يدخل الجنة بعمله يعني كيف لنا ان نتصور ان الانسان لا يدخل الجنة بعمله بل بعفوه وكرمه؟ هل المقصود ان الله وفقه للخير والعمل الصالح ، فلو تركه ونفسه لما وفق ، هل من هذه الجهة ، او هناك تخريج آخر ؟
ثلاث مسائل مهمّة من حياة علي الأكبر (ع)
هل سیخلق الله تعالى خلقاً جدیداً وإنساناً آخر بعد فناء هذا العالم ویکون له قیامة وبعث ونشور أیضا؟
ما هو أفضل عمل في شهر رمضان المبارك؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل