الثقافة الإعلامية في أيام الحرب: حين يكون التوقف عن المعرفة فضيلة

يشير الكاتب في هذه المذكرة إلى مخاطر تغذية «وهم المعرفة» عبر القنوات والمجموعات مجهولة الهوية، ويقدّم جملة من الحلول لتعزيز الثقافة الإعلامية وترسيخ المسؤولية في تداول الأخبار. ويرى أن التوقف عن التفاعل غير الواعي مع المعلومات في أوقات الأزمات قد يكون، في حد ذاته، شكلاً من أشكال العقلانية وحبّ الوطن.

لقد تحوّل الفضاء الافتراضي في هذه الأيام، لدى شريحة من الجمهور الداخلي، إلى ساحة يتصدر فيها كل من يدير قناة أو مجموعة في تطبيقات التواصل الاجتماعي مشهد التحليل فجأة. وتُناقش أعقد القضايا الأمنية والعسكرية والسياسية بين إيران وأمريكا والكيان الصهيوني داخل مجموعات غالباً ما تفتقر إلى هوية واضحة أو خلفية معروفة للقائمين عليها. في هذا المناخ، يتشكل تدريجياً ما يمكن تسميته بـ«وهم المعرفة»؛ إذ يكفي متابعة بعض الأخبار العاجلة والتعليقات السريعة حتى يتولد شعور زائف بالإحاطة الكاملة بما يجري خلف الكواليس.

غير أن الواقع مختلف. فما يصل إلينا ليس بالضرورة معرفة أعمق، بل تدفّق كثيف من الأخبار والروايات والتحليلات التي يفتقر كثير منها إلى المصدر الموثوق. وفي بعض الحالات، لا يكون ما نتلقاه إعلاماً بقدر ما هو جزء من إدارة معقدة للمشهد الإعلامي، حيث يصبح توجيه الرأي العام وبناء الرواية لا يقل أهمية عن الأحداث الميدانية نفسها.

الإعلام الشفهي: بيئة خصبة للإشاعة

كم مرة سمعنا عبارة تُقال بثقة: «سمعت من مصدر عسكري مطّلع»؟ هذه الصيغة أصبحت اليوم واحدة من أكثر بوابات الإشاعة شيوعاً في الفضاء الرقمي. فقد انتقل الإعلام الشفهي من نطاقه المحدود إلى فضاء واسع تتيحه شبكات التواصل، ليصبح بيئة خصبة لإعادة إنتاج الأخبار غير الموثوقة.

وغالباً، عند تتبع مصدر هذه المعلومات، لا نجد سوى انطباعات شخصية أو تحليلات سطحية أو حتى اختلاق كامل. وفي هذا السياق، لم يعد امتلاك منصة نشر دليلاً على المصداقية أو الخبرة؛ فعدد المتابعين وسرعة الانتشار وحدّة الخطاب لا تعوّض غياب التحقق والدقة.

حرب تجري في هواتفنا

لم تعد الحروب اليوم مقتصرة على الميدان العسكري. فكما تلعب الصواريخ والطائرات المسيّرة دورها في السماء، تلعب الروايات والأخبار والتحليلات دوراً حاسماً في ساحة الوعي. ولهذا يتحدث الخبراء عن «حرب الروايات» أو «الحرب المعرفية»، التي لا تستهدف البنى التحتية بقدر ما تستهدف الوعي الجمعي عبر خلق القلق والشك والارتباك.

في هذا السياق، يمكن لأي هاتف محمول أن يتحول إلى وسيلة إعلام، ولأي مستخدم أن يصبح ناقلاً للمعلومة. غير أن هذه الميزة تحمل خطراً كبيراً إذا لم تُضبط بالوعي والمسؤولية؛ إذ قد يتحول إعادة نشر أي خبر غير موثوق إلى جزء غير مباشر من الحرب النفسية.

فكل خبر كاذب، وكل تحليل عاطفي متسرّع، وكل إشاعة غير محققة، يمكن أن يحقق الهدف ذاته الذي تسعى إليه الحروب الإعلامية: زعزعة الثقة وبث الاضطراب داخل المجتمع.

المشاركة بلا وعي لا تصنع وعياً

حتى الحضور في الفضاء العام لا ينبغي أن يُختزل في الاستهلاك أو التفاعل العاطفي. فالمطلوب أن يسهم هذا الحضور في تعزيز الوعي الجماعي، لا في استبدال التحليل بالعاطفة أو الشعارات.

فإذا أردنا مجتمعاً أكثر صلابة، فلا بد من الموازنة بين الحماس والعقل، وبين الانفعال والتحليل المسؤول.

مبادئ أساسية للثقافة الإعلامية في الأزمات

في أوقات الأزمات وكثافة المعلومات، يمكن الالتزام بعدة مبادئ بسيطة تحمينا من الوقوع في فخ الإشاعة:

أولاً: ليس كل خبر يستحق النشر، والصمت أمام المصادر غير الموثوقة خيار مسؤول.

ثانياً: السرعة ليست قيمة مطلقة؛ فالتريث قد يكون طريقاً إلى الحقيقة.

ثالثاً: يجب التمييز بين الخبر والرأي، فكثير مما يُنشر هو انطباعات شخصية في قالب خبري.

رابعاً: عدم المعرفة في القضايا المعقدة قد يكون أمراً طبيعياً وصحياً، وليس نقصاً في الوعي.

حب الوطن في زمن الحرب الإعلامية

لم يعد حب الوطن يُقاس فقط بالحضور الميداني، بل أيضاً بالمسؤولية في استهلاك المعلومات ونشرها. ففي عصر الحرب الإعلامية، قد تكون حماية الوعي العام بعدم نشر الإشاعة، أو التحقق قبل إعادة النشر، شكلاً من أشكال الدفاع عن الوطن.

وفي كثير من الأحيان، يكون الامتناع عن نشر معلومة غير مؤكدة أبلغ أثراً من نشرها. فالحذر في هذا السياق ليس تراجعاً عن المعرفة، بل موقف واعٍ في مواجهة فوضى المعلومات.

الثقافة الإعلامية اليوم ليست ترفاً معرفياً، بل جزء من المسؤولية الوطنية والاجتماعية.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل