لم يمنع الدين الإنسان من الانتفاع بالمباحات المشروعة؛ فالأكل والشرب والنظر والحركة ضمن إطار الحلال كلها مباحة. ولا يُستثنى إلا قيدٌ أساسي واحد، وهو اجتناب الحرام: ألا يأكل لقمةً حراماً، ولا ينظر نظرةً محرّمة، ولا يخطو خطوةً في طريق الحرام، ولا يمدّ يده على مظلوم. هذا القيد الواحد هو محور جميع التكاليف الشرعية. فإذا التزم الإنسان بهذا المبدأ وحفظ حرمة الله، فإنه سيرى بركات ذلك في هذه الدنيا؛ وفضلاً عن ذلك، ينتظره العز في عالم البرزخ ونتائج عظيمة في يوم القيامة.

هذا ما يؤكده الأستاذ السيد رحيم توكل، أستاذ الأخلاق في الحوزة العلمية، في هذا الدرس الأخلاقي الذي نُقدّمه لكم.

الإنسان بعد الموت يواجه عالمين: العالم الأول هو عالم البرزخ، والعالم الثاني هو عالم القيامة. وقد صُوّرت مشاهد القيامة في الآيات والروايات بأسلوب شديد التحذير والرهبة.

هناك تعبير مأثور يقول: «في بيت القوم، كلمة واحدة تكفي». وبعض آيات القرآن الكريم نزلت بحيث لو كان القلب حيّاً وكان الإنسان من أصحاب البصيرة، لكفته آية واحدة ليعيد النظر بجدية في سلوكه وأعماله.

على سبيل المثال، تأملوا الآيات الختامية من سورة عبس: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)}. يأتي يوم يفر فيه الإنسان من أخيه، ومن أمه وأبيه، ومن زوجته وأبنائه. أولئك الآباء والأمهات الذين كانوا إذا أُصيب طفلهم بالحمى يفقدون شهية الطعام والشراب قلقاً عليه، وإذا امتنع عن الطعام اضطربوا لحاله، في ذلك اليوم لا يعرف الأب ابنه، ولا الأم ابنها، ولا الابن أبويه؛ بل الجميع يفرّ من الجميع.

حال ذلك اليوم شديد الهول ومفعم بالاضطراب، إلى درجة أن كل إنسان لا يشغله إلا البحث عن خلاص نفسه والنجاة من العذاب، فيفرّ كل واحد من الآخر.

وانظروا إلى سورة الحج؛ إذ يبدأ الخطاب فيها بـ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، وليس بـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ولا بـ {يَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ}. أي أن هذا التحذير ليس خاصاً بفئة معينة، بل هو خطاب موجّه إلى جميع الناس؛ رجالاً ونساءً، شيوخاً وشباباً، علماء وجهّالاً.

إنها دعوة عامة إلى التقوى: {اتَّقُوا رَبَّكُمْ}.

ولكن ما معنى تقوى الله؟ أليس الخوف إنما يكون من ظالم؟

إن الخوف من الله ليس خوفاً من الظلم؛ لأن الظلم منفيّ عن ساحة الله تعالى. وإنما المقصود أن الإنسان قد يرتكب ذنوباً لا يطّلع عليها إلا الله وحده، ويخشى أن تُكشف هذه الأعمال يوم القيامة أمام الخلائق فيفتضح أمره.

وقد قال القرآن الكريم: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}. فالإنسان دائماً في حضرة الله، ولا يصح أن تُرتكب المعصية في حضرته. لذلك ينبغي للإنسان أن يكون يقظاً، وأن يدرك أن لكل يوم غداً لا محالة، وغدٌ قادم يقيناً.

في يوم القيامة، سيُستدعى جميع الناس للحساب، ويُسألون: لماذا فعلت كذا؟ ولماذا تركت كذا؟

إذا أُنيطت بالإنسان مسؤولية وهو غير قادر على أدائها، فعليه أن يتنحّى، ولا يجوز أن يبقى في منصب لا يفي بمتطلباته.

مرة أخرى نؤكد: {اتَّقُوا رَبَّكُمْ}، لأن {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}. الله الذي وصف نفسه بالعظيم، وصف زلزلة الساعة أيضاً بأنها عظيمة. وأحوال القيامة ليست عادية، بل إن سكينتها وعزّها وجلالها وعظمتها كلها مرتبطة بتقوى الإنسان في هذه الدنيا.

إذا نظرنا إلى عمر الإنسان، نجد أن جزءاً كبيراً منه يمرّ إما في الطفولة قبل التكليف، أو في الشيخوخة مع الضعف. ولا يبقى من العمر إلا جزء يسير يكون فيه الإنسان واعياً وقادراً ومختاراً، وهذه هي ساحة الامتحان الحقيقية.

لم يمنع الدين الإنسان من الانتفاع بالمباحات المشروعة؛ فالأكل والشرب والنظر والحركة ضمن إطار الحلال كلها مباحة.

لا يوجد إلا قيد أساسي واحد، وهو اجتناب الحرام: ألا يأكل لقمةً حراماً، ولا ينظر نظرةً محرّمة، ولا يخطو خطوةً في طريق الحرام، ولا يمدّ يده على مظلوم. هذا القيد الواحد هو محور جميع التكاليف الشرعية.

فإذا التزم الإنسان بهذا المبدأ وحفظ حرمة الله، فإنه سيرى بركات ذلك في هذه الدنيا؛ وفضلاً عن ذلك، ينتظره العز في عالم البرزخ ونتائج عظيمة في يوم القيامة.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل