الردّ بالمثل في القرآن: هل يشمل استهداف المدنيين؟

الردّ بالمثل في القرآن: هل يشمل استهداف المدنيين؟

في أعقاب الهجمات الأخيرة، برز تساؤل حول مشروعية الردّ العسكري بالمثل استناداً إلى الآية ١٩٤ من سورة البقرة. ويتناول هذا الحوار دراسة هذه المسألة وحدودها الشرعية.

تمهيد:

يُعدّ التساؤل عمّا إذا كان يجوز—استناداً إلى الآية ١٩٤ من سورة البقرة—تنفيذ ردّ مماثل يستهدف الناس والمدنيين، من أدقّ الإشكاليات في فقه الحرب والقانون الدولي الإسلامي. وتنبع أهمية هذا السؤال من كونه يحدّد الفاصل بين مشروعية الدفاع، ومراعاة المبادئ الإنسانية، والالتزام بالنصوص القطعية، كما يكشف حدود «المقابلة بالمثل» ومدى مشروعيتها، والنقطة التي تتحول فيها إلى تجاوز محظور خارج الإطار الشرعي. وفي هذا السياق، نستعرض خلاصة ما طرحه حجة الإسلام حسين هوشمند فيروزآبادي، الباحث في الفقه.

سؤال الحوار:

هل يجوز، وفقاً للآية الكريمة، أن تنفّذ القوات المسلحة هجوماً صاروخياً مباشراً على السكان ومنازلهم، ردّاً على هجمات استهدفت مدنيين في إيران: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]؟

بسم الله الرحمن الرحيم

حدود المقابلة بالمثل في ضوء القرآن

تُعدّ مسألة مشروعية «الإجراءات المضادة» أو المقابلة بالمثل من القضايا المركزية في فقه الحرب. والسؤال الأساس هنا ذو شقّين: هل يقرّ القرآن أصل المقابلة بالمثل في مواجهة عدوان العدو؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فما حدود هذه القاعدة، وما القيود التي تضبطها؟

القرآن الكريم يميّز بوضوح بين نوعين من المقابلة: أحدهما في مواجهة الاعتداء، وهو حقّ للمظلوم، غايته القصوى أن يكون الردّ «بمثل» الاعتداء دون تجاوز. والآخر في مقابلة الإحسان، وهو تكليف أخلاقي يقتضي الردّ بمثله أو بأحسن منه. والبحث في العلاقات الدولية ينحصر في النوع الأول، أي المقابلة في سياق العدوان.

وقد وردت في القرآن عدة تعبيرات تؤكد هذا المعنى، مثل الاعتداء بالمثل، والمعاقبة بالمثل، والقصاص، والنبذ على سواء، وجزاء السيئة بمثلها. وتُعدّ آية الاعتداء: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ الأساس الأبرز لإثبات هذه القاعدة في المجال الدولي.

دلالة الآية وسياقها

بالنظر إلى سياق نزول الآية—المرتبط بصلح الحديبية ونقض العهد—يتبيّن أن مدلولها لا يقتصر على القصاص الفردي، بل يمتدّ إلى تنظيم العلاقات في حالتي الحرب والسلم. كما أن لفظ «مَن» جاء مطلقاً، فيشمل الأفراد والكيانات الاعتبارية، بما فيها الدول. وتدعم هذا الفهم آيات أخرى تتحدث عن المعاقبة والانتصار بالمثل.

أما الآيات التي تحثّ على العفو والصفح، فهي في الغالب متعلقة بالعلاقات داخل الجماعة المؤمنة، ولا تُسقط مبدأ المواجهة في سياق العدوان الخارجي حيث يُطرح وجوب الجهاد. وبذلك يثبت أصل مشروعية المقابلة بالمثل في الجملة.

قيود المقابلة بالمثل

غير أن هذه المشروعية ليست مطلقة، بل مقيّدة بقيود صارمة دلّت عليها النصوص القرآنية. فمن ذلك تحريم استهداف المدنيين—كالنساء والأطفال والشيوخ—استناداً إلى قوله تعالى:

﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]

كما لا يجوز الاعتداء على الأسرى أو إيذاؤهم، لقوله تعالى:

﴿حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]

كذلك تُحظر الوسائل التي تفضي إلى إهلاك الحرث والنسل، وهو ما يشمل الأساليب غير الإنسانية وأشكال الدمار الشامل، استناداً إلى قوله تعالى:

﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]

وعليه، فإن آية الاعتداء لا يمكن أن تُفهم على إطلاقها بما يبيح المحرّمات القطعية، كاستهداف المدنيين أو القتل الجماعي.

في مسألة أسلحة الدمار الشامل

يُفرَّق هنا بين مستويين: مستوى المعرفة والبحث، حيث لا يُمنع السعي العلمي لتحقيق الردع، بل قد يكون مطلوباً. ومستوى الاستخدام الفعلي، حيث يبقى الأصل فيه المنع، ولا يُصار إلى الترخيص إلا في حالات استثنائية ضيّقة، كحالة الضرورة القصوى المرتبطة ببقاء الدولة، وبشروط دقيقة.

المقابلة بالمثل بين الردّ والوقاية

ومن المسائل الدقيقة أيضاً: هل تقتصر المقابلة بالمثل على ردّ الفعل، أم يمكن أن تتخذ طابعاً وقائياً؟ الظاهر أنه في حال وجود خطر وشيك، بحيث يؤدّي وقوعه إلى تعطيل القدرة على الرد، فإن المبادرة الوقائية قد تندرج ضمن الدفاع المشروع، استناداً إلى قاعدة الضرورة وحفظ الكيان.

الخلاصة:

يتبيّن مما سبق أن مبدأ المقابلة بالمثل ثابت في القرآن، لكنه مقيّد بضوابط أخلاقية وإنسانية صارمة. فلا يجيز استهداف المدنيين، ولا الاعتداء على الأسرى، ولا استخدام وسائل الدمار الشامل. كما أن هذا المبدأ، وإن كان يشمل الردّ على العدوان، فإنه قد يمتد—في ظروف استثنائية—إلى الإجراءات الوقائية ضمن إطار الدفاع المشروع.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

من أي منظور يعالج الإسلام "المسائل الاقتصادية"؟
وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِیِّینَ مِیثاقَهُمْ وَ مِنْکَ وَ مِنْ نُوح وَ إِبْراهِیمَ وَ مُوسى وَ عِیسَى ابْنِ مَرْیَمَ وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِیثاقاً غَلِیظاً . ماهو الميثاق المأخوذ من الأنبياء ؟
أحكام شرعية | الأرض الملحقة بالمسجد
حلول القرآن لتربية الأبناء شجعاناً صابرين في الأزمات الاجتماعية
موقف الشّيعة من الصّحابة/ الشيخ الحارثي العاملي

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل