في يوم القيامة يُعرض الكفار على النار، ويُذكَّرون بأنهم استوفوا نصيبهم من النعم واللذات في الحياة الدنيا. وتكون عاقبة هذا المسلك الوقوع في «عذاب الهون»؛ أي العذاب المقرون بالذل والفضيحة.

وفي مقتطف من كلمات سماحة آية الله العظمى السيد مجتبى حسيني الخامنئي (دام ظله)، جاء بيان لمعنى «عذاب الهون» وأبعاده.

عند حلول قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأحقاف: 34]، يُوقَف الكفار على النار، ويُقال لهم: لقد استمتعتم في دنياكم بالطيبات والنعم التي أُتيحت لكم، غير أنكم استنفدتموها في حدود الحياة الدنيا. نعم، قد تحقق الانتفاع، لكنه انقضى هناك، وانتهى أثره. أما اليوم، وهو يوم الحساب والجزاء، فالمآل مختلف: عذاب خاص يُعبَّر عنه بـ«عذاب الهون»، أي عذاب الذل والمهانة.

ولِمَ هذا العذاب المقرون بالإهانة؟

يبيّن النص سببين رئيسيين:
أولهما: الاستكبار؛ إذ لا يليق بالعبد أن يتكبر، فالكبرياء لله وحده.
وثانيهما: قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: 34]؛ أي بسبب خروجهم عن طاعة الله ومخالفتهم أوامره ونواهيه.

وقد خُصّ هذا النوع من العذاب بالذكر، لأن العذاب في الآخرة ليس نوعاً واحداً، ولا يقتصر على النار فحسب. فمع أن النار من أشد ألوان العذاب وأبرزها، إلا أن هناك صوراً أخرى لا تقل قسوة، كعذاب الحسرة. فمثلاً، من يفرّط في فرصة حاسمة في الدنيا يندم، لكن ندمه مؤقت؛ أما حسرة الآخرة فممتدة لا انقطاع لها.

ومن صور العذاب أيضاً: التوبيخ والتحقير. كما في قوله تعالى في سورة الدخان:

﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49]،

حيث تُقال هذه العبارة على وجه التهكم بمن كان يتوهم العزة والكرامة، فإذا به يُواجَه بأشد ألوان الإذلال.

ومنها كذلك: ما يقع بين أهل النار من خصام وتلاوم، وقد أشارت إليه آيات متعددة، وهو في ذاته لون شديد من العذاب.

كما أن الخوف المستمر، وانقطاع الأمل من كل مخرج، يعدّان عذاباً آخراً. فالإنسان في الدنيا، مهما اشتدت به الحال، يبقى أمامه متنفس ما: أملٌ بتغيّر الظروف، أو نجدة قريبة، أو حتى نهاية بالموت. أما في الآخرة، فلا متنفس ولا انقطاع للألم؛ كل الطرق موصدة، وذلك في حد ذاته عذاب بالغ القسوة.

وعليه، فإن العذاب تتعدد صوره: عذاب الذل والفضيحة، وعذاب التوبيخ — كما في قوله تعالى: ﴿وَأَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: 20]، وهو قريب في دلالته من قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ — حيث يجتمع التوبيخ مع الحسرة، فيتكوّن منهما لون مستقل من العذاب.

وهذه الأنواع ليست واحدة عند جميع الناس؛ فلكل ذنبٍ ما يناسبه من العذاب. كما أن بعض هذه العذابات يقع في ساحة القيامة وأثناء الحساب، قبل دخول النار. فقد لا تكون هناك نار مباشرة في ذلك الموقف، لكن يكون هناك «عذاب الهون» والفضيحة.

ومن ذلك ما ورد في الروايات: أن المتكبر يُحشر يوم القيامة على هيئة نملة، يطؤه الناس في ساحة المحشر، فيكون ذلك عذاباً بالغ الإذلال، حتى وإن لم يكن ثَمَّ نار في ذلك الموطن.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل