كيف ينزلق مجتمع من الدعم إلى الانفعال بعد صدمة تاريخية، وكيف يمكن الحيلولة دون تكرار ذلك؟

كثيراً ما لا يُحسم مصير أمة بقوة العدو العسكرية، بل بقرارات داخلية محدودة؛ قرارات قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها في اللحظات التاريخية الفاصلة قادرة على نقل مجتمع بأكمله من «الصمود» إلى «الانفعال». وغالباً ما تبدأ هذه اللحظات بصدمة كبرى: استشهاد أو اغتيال شخصية مؤثرة، ضغط خارجي شامل، أو أزمة ثقيلة تهزّ كيان المجتمع. في اللحظة الأولى، تتشكّل موجة من العاطفة والتضامن؛ يخرج الناس إلى الميدان، وتتقارب القلوب، وترتفع الإرادة العامة. وهنا تحديداً يبدأ الخطر. فالرأسمال الاجتماعي ذاته، الذي يمكن أن يكون محرّكاً للحركة، إذا لم يُحسن حفظه، سرعان ما يتآكل، لتحلّ مكانه الشكوك والتعب والانكفاء عن الميدان.

تُظهر تجارب التاريخ—ولا سيما تاريخ صدر الإسلام—أن المسافة بين «الإجماع الأولي» و«تهميش محور الحق» قد تكون قصيرة للغاية. فالمجتمع الذي يبايع بإجماع في أيام الحزن، قد يبلغ، بعد بضعة أشهر، وتحت وطأة الحرب النفسية والضغوط الاقتصادية والأمنية، مرحلة يُضيَّق فيها على وليّ الحق، وتنتقل فيها مراكز القرار إلى أولئك الذين يتراجعون خوفاً أو يغيّرون مواقفهم طمعاً في المصلحة. من هنا ينبثق السؤال الجوهري الذي يتتبعه هذا البحث: كيف يتحول مجتمع وقف في البداية خلف محور الحق، تدريجياً، إلى حالة يتخلّى فيها عنه؟

دور “الخواص”

في هذا المسار، يبرز دور «الخواص» (النخبة) بوصفه عاملاً حاسماً. فثمة دائماً فئة من النخب—السياسية، والاقتصادية، والإعلامية، والاجتماعية—تملك القدرة، في اللحظات المصيرية، على توجيه مسار الجماهير؛ بعضهم عبر الخيانة والمساومة، وبعضهم عبر الخوف وسوء التقدير. وقد سجّل القرآن هذه الحقيقة المرة على لسان أهل النار في اعتراف بليغ:
﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: 67].
وهذه الآية ليست مجرد تصوير لمشهد أخروي، بل تحذير مباشر لعالمنا الحاضر. فعندما يُسلم المجتمع سمعه وبصره بلا تمحيص لـ«السادة والكبراء»، قد ينحرف في اللحظة الحاسمة دون أن يدرك، إلا بعد فوات الأوان، كيف ضلّ الطريق.

غير أن العدو لا يكتفي بالضغط المكشوف، بل يصوغ معضلة خادعة: أمنٌ عاجل أم عزٌّ دائم؟ هدوءٌ مؤقت أم صمودٌ استراتيجي؟ والأخطر من ذلك، أنه يسعى إلى جعل «الركون إلى الظالم» خياراً عقلانياً. وقد لخّص القرآن هذا الانحراف بكلمة جامعة: الركون.
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: 113].
فالركون ليس مجرد اتفاق أو توقيع، بل تحوّل في موضع الاعتماد: من الاتكال على وعد الله والقدرات الذاتية، إلى التعويل على الظالم طلباً للأمن أو الرفاه. و«السلام المزيّن»، حين يقود إلى هذا الاعتماد، مهما تزيّن بالشعارات، ليس إلا بداية الانحدار.

ولفهم هذه الآلية بدقة، ننتقل إلى واحدة من أعمق النماذج القرآنية: قصة السامري والعجل، وهي نموذج كاشف لكيفية انحراف أمة في لحظة غياب الحضور المباشر للقائد، وكيف يمكن تفادي تكرار ذلك.

فتنة السامري: من تآكل الإرادة إلى كلفة العودة

تُعدّ قصة فتنة السامري من أدقّ النماذج القرآنية التي تصوّر «زلزلة مجتمع بعد صدمة وغياب الحضور المباشر للقائد». وإذا أُحسن قراءتها، فهي ليست مجرد حكاية تاريخية، بل نموذج تحليلي لفهم لحظات التحوّل المصيرية. يبيّن القرآن أن هذا الانحراف وقع عندما غاب موسى (ع) عن قومه لميقات ربه؛ أي في وقت كان فيه قائد الحق موجوداً، لكن حضوره لم يكن مباشراً في الميدان. في مثل هذه الحال، يتعاظم دور الناس؛ إذ ينبغي أن يُعوَّض غياب الحضور المباشر بـ«حضور إيماني فاعل» في الميدان. وهنا تحديداً يقع الامتحان: إن انسحب الناس، ملأت البدائل الفراغ؛ وإن ثبتوا، بعث الله فيهم القدرة على مواصلة المسار.

يشير العلامة الطباطبائي إلى أن بني إسرائيل ضاقوا بتأخر موسى، فاستغل السامري هذا الضيق. فلما عاد موسى، واجههم بقوله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 150].
وهنا تتجلى العقدة الأساسية: تبدأ الفتنة حين يسعى المجتمع إلى قطف النتائج قبل أوانها. فالعجلة تفتح الباب للحلول السريعة والمزيّنة.

قدّم السامري بديلاً خادعاً: عجلاً «جسداً» له صوت، ﴿جَسَداً لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: 148]، لكنه بلا حياة ولا هداية. وقد ركّز القرآن، في نقض ألوهيته، على معيارين حاسمين: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾.
وهذان المعياران جوهريان؛ فكم من بدائل في أزمنة الأزمات تمتلك «صوتاً جذاباً» وتمنح طمأنينة زائفة، لكنها لا تهدي إلى الطريق الصحيح. كان للعجل صوت، لكنه افتقد الهداية. ومن هنا، فإن كل حلّ يعد بالراحة السريعة دون أن يرسم طريقاً واضحاً، يظل أقرب إلى «الضجيج» منه إلى «الهداية».

في هذه الأثناء، يُترك محور الحق وحيداً. فقد عارض هارون (ع) وحذّر، لكن القوم استضعفوه حتى كادوا يقتلونه:
﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف: 150].
وفي موضع آخر يبيّن عذره: خشي أن يُتّهم بتفريق بني إسرائيل. وهذه من أخطر أدوات الفتنة: تصوير التحذير من الانحراف على أنه «تفريق».

لكن الندم لا يأتي إلا متأخراً. يصوّر القرآن تلك اللحظة بقوله: ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: 149].
أي حين انكشفت العواقب وأدركوا ضلالهم. فالمجتمع لا يدرك عمق الخطأ إلا بعد دفع كلفته.

أما طريق الخلاص، فهو العودة الحاسمة، لا الحلول الوسط. لذلك جاء أمر موسى: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ [طه: 97].
أي إزالة الصنم من جذوره. كما عوقب السامري بـ﴿لَا مِسَاسَ﴾، في إشارة إلى عزله اجتماعياً ومنع انتشار فتنته.

فريضة “المرابطة”: برنامج البقاء

تقدّم الآية الختامية من سورة آل عمران برنامجاً عملياً للبقاء في أزمنة الشدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا…﴾

فهي ليست دعوة للصبر فحسب، بل منهج متكامل:
ابدأ بضبط نفسك، ثم ثبّت هذا الصبر في ساحة المواجهة، ثم انتقل إلى «المرابطة»؛ أي الحضور الدائم وعدم مغادرة خط المواجهة.

المرابطة تعني أن يبقى المجتمع يقظاً، لا يترك ثغرة يدخل منها الخلل، سواء عبر إشاعة أو استقطاب أو طرح مضلل. وهي تتحقق على ثلاثة مستويات: العقل، والمجتمع، والميدان.

مرابطة العقل تعني حماية الوعي من التضليل، وألا نقبل كل ما يُطرح لمجرد أنه جذاب.
ومرابطة المجتمع تعني صون التماسك ومنع الانقسام.
أما مرابطة الميدان فتعني الحضور الفاعل، وبناء شبكات العمل، وعدم ترك الساحة فارغة.

خلاصة ختامية

المرابطة، في جوهرها، هي حفظ العقل، وصيانة التماسك، والاستمرار في العمل. فإذا اختلّ واحد من هذه الثلاثة، فُتح الباب للانحراف. أما إذا اجتمعت، فإنها تضمن الثبات حتى في أقسى الظروف، وتبقي المجتمع على طريقه نحو الفلاح:
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

بقلم: السيد محمد رضا هاشمي

*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل