يمكن النظر إلى المرحلة الراهنة بوصفها حالةً مركّبة لا تستقرّ على توصيفٍ واحدٍ نهائي؛ فهي من جهة تبدو كفترة هدوء مؤقت، لا تشهد مواجهات عسكرية فعلية، إلى حين بلوغ اتفاق يُنهي حالة الحرب وتستقر الأمور على نتيجة محسوسة، ومن جهة أخرى فإن هذا الهدوء لا ينفي استمرار آثار الحرب من حيث الواقع القانوني والفقهي. وإذا كان الواقع على هذا النحو، فإنه يظلّ خاضعاً لأحكام الحرب؛ أي إن حالة القتال قائمة قانوناً، لكن الاشتباك العسكري معلق ريثما يتجه الطرفان نحو تفاهم أو اتفاق.

في حوار خاص مع “شبكة الاجتهاد”، تناول حجة الإسلام والمسلمين السيد سجاد إيزدهي، أستاذ درس الخارج في حوزة قم العلمية، إشكالية مفادها: “في ظل استمرار احتمالية هجوم العدو، كيف يمكن التوفيق بين هذا الواقع وما يُعلن عنه من هدنة (وقف مؤقت لإطلاق النار)؟” فجاء جوابه ضمن إطار تفكيك المفهوم الفقهي والسياسي لوقف إطلاق النار وعلاقته بواقع الحرب المستمرة.

وقف إطلاق النار: فرع من فصول الحرب

وقف إطلاق النار ليس مفهوماً منفصلاً عن الحرب، بل هو في أحد أبعاده فرع من فصولها ومظهر من مظاهر إدارتها. فالحرب في التصور الفقهي والسياسي ليست حالة واحدة بسيطة، بل تشمل منظومة من الأحكام والوقائع: الهجوم، الصلح، الهدنة، النصر، الاستشهاد، وغيرها من العناوين التي تتداخل ضمن سياق واحد. وفي الفقه الشيعي، سائر ما يتصل بالحرب يرتبط بولاية الفقيه، وهذه مسألة لا خلاف فيها من حيث الأصل.

الأصل في هذا الباب أن القول الفصل يعود إلى ولي الفقيه. ففي خضمّ المعركة، تقع أحداث متغيرة تُبنى عليها أحكام تتعلق بوقف إطلاق النار، أو الاستمرار في القتال، أو تعليق العمليات العسكرية. وحين يكون ولي الفقيه حاضراً في ميدان الحرب، فإنه يشخّص الواقع بنفسه، ويصدر الحكم بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.

لكن – وكما هو مقرر في البناء الفقهي – فإن تشخيص المصداق في الخارج من حيث انطباق العناوين، له جهة تختلف عن إصدار الحكم؛ إذ لا بد من تحديد: هل الواقع الحالي، في ضوء المعطيات والظروف، ينطبق عليه عنوان “حرب”، أم “صلح”، أم “وقف إطلاق نار”، أم “إنهاء حرب”، أم غير ذلك من العناوين المتصورة.

تشخيص المصداق: مسؤولية القادة، وتشخيص الموضوع: مسؤولية ولي الفقيه

القادة العسكريون هم الجهة التي تتولى تحديد المصداق الخارجي، أي وصف الواقع الميداني كما هو، ونقل تفاصيله بدقة إلى مستوى القرار. أما فهم الموضوع من حيث المآل الشرعي والسياسي، أي ما إذا كان استمرار الحرب يحقق المصلحة أو لا، وما إذا كان ينبغي الانتقال إلى وقف إطلاق النار أو الاستمرار في القتال، فهذا يدخل ضمن صلاحيات ولي الفقيه، وكذلك إصدار الحكم النهائي.

أما القول بأن مجلس الأمن القومي الأعلى هو من أعلن وقف إطلاق النار وليس ولي الفقيه، فلا يغيّر من أصل البنية الفقهية للحكم. فالأصل في أمر الحرب والصلح ووقف إطلاق النار والاستمرار في القتال يعود إلى ولي الفقيه، الذي قد يصدر الحكم مباشرة، أو يعلنه عبر جهاز آخر، أو يفوض بعض صلاحيات الإعلان إلى جهة مؤسسية. وفي جميع الأحوال، يبقى البيان الصادر منضبطاً ضمن إطار تدبير الولي الفقيه وموافقاً له.

وبناءً عليه، فإن مركزية القرار تبقى لولي الفقيه، وهو ما ينسجم مع الدستور من جهة، ومع البناء الفقهي من جهة أخرى، ومع الواقع العملي من جهة ثالثة. كما أن الأجهزة المختصة ضمن النظام تتولى في بعض الحالات الإعلان التنفيذي وفق الأطر المحددة، بما فيها الأجهزة الأمنية والمؤسسات الرسمية المعنية، ضمن منظومة القيادة العامة.

لماذا وقف إطلاق النار؟ وما خصائصه؟

شهدت التجارب المعاصرة أنماطاً متعددة من وقف إطلاق النار، تختلف من حيث المدة والهدف والسياق. ففي بعض الحروب التقليدية، كان القتال يتوقف لساعات أو أيام محدودة، لأغراض إنسانية أو ميدانية، مثل جمع الجرحى، أو دفن الشهداء، أو إعادة التموضع، أو تزويد الأطراف بالمؤن، وهو ما يدخل ضمن الاعتبارات التي يقرّها القانون الدولي الإنساني أيضاً.

لكن من الناحية المفهومية، فإن وقف إطلاق النار لا يعني نقيض الحرب، بل يعني تعليقاً مؤقتاً لاستخدام القوة العسكرية ضمن سياق حرب قائمة. فهو إجراء داخل الحرب، لا خارجها، يُمارس لفترة محددة ولأسباب يقدّرها القرار السياسي والعسكري، وغالباً ما يرتبط بتقدير المصلحة.

وفي هذا السياق يمكن تسجيل عدة نقاط أساسية:

قد تكون الحرب قائمة، ويُعلن في الوقت نفسه وقف إطلاق نار دون وجود اتفاق شامل بين الطرفين. كما في بعض النماذج المعاصرة التي تقوم على قاعدة الامتناع المشروط عن الهجوم: أي إن الطرف يعلن أنه لا يهاجم ما لم يُهاجم، مع استمرار حالة التأهب الكامل. في هذه الحالة لا يوجد اتفاق رسمي ملزم، لكن يوجد سلوك عملي يجمّد الاشتباك. وقد يستمر هذا الوضع أياماً أو سنوات، دون أن يعني ذلك انتهاء حالة الحرب قانوناً أو واقعاً.

وهنا يصبح استعمال مصطلح “وقف إطلاق النار” بالمعنى التقليدي الدقيق غير منطبق تماماً، لأننا أمام حالة أقرب إلى تجميد الاشتباك ضمن استمرار الحرب، لا إلى إنهاء حالة الحرب ذاتها.

تعليق القتال بهدف الوصول إلى نتيجة الحرب

هناك نمط آخر أكثر تعقيداً من وقف إطلاق النار، لا يرتبط فقط باعتبارات ميدانية أو إنسانية آنية، بل يدخل في إطار إدارة مسار الحرب نحو نهايتها. في هذا النمط، يُفترض تحديد فترة زمنية أو إطار تفاوضي يتم فيه السعي إلى حسم نتيجة الحرب، سواء عبر التفاوض أو عبر إعادة التوازن الميداني.

ومع ذلك، فإن هذا الوضع لا يمكن اعتباره وقف إطلاق نار بالمعنى المتداول تماماً، بل هو أقرب إلى حالة انتقالية غير مستقرة، تُشبه من جهة انتهاء الحرب، لكنها من جهة أخرى لا ترقى إلى إعلان نهايتها الفعلية. فالأيدي لا تزال على الزناد، والجاهزية العسكرية قائمة، وكل طرف يراقب سلوك الطرف الآخر بدقة، ويعيد تقييم موازين القوة باستمرار.

ومن ثم فإننا أمام حالة “تعليق مؤقت” للقتال، لا أمام إنهاء للحرب، ريثما تتبلور صيغة نهائية تنقل الوضع إلى تسوية مستقرة أو إنهاء رسمي للصراع.

وفي هذه الحالة، إذا أقدم العدو على هجوم، فإن الرد يظل خياراً قائماً، ما يعني أن حالة الحرب من حيث الجوهر لم تنتهِ، بل تم تجميدها ميدانياً ضمن حدود معينة. وخلال هذه الفترة، قد يُستخدم هذا التجميد لاختبار القدرات، وقياس مستوى الردع، واستكشاف نقاط القوة والضعف، وهو أمر يدخل في طبيعة الصراع العسكري الحديث.

خلاصة: الوضع الراهن ليس وقف إطلاق نار بالمعنى المتداول

بناءً على ما سبق، يمكن القول إن الوضع الراهن لا ينطبق عليه توصيف وقف إطلاق النار بالمعنى المتداول في الأدبيات السياسية والإعلامية. بل هو أقرب إلى حالة تعليق للقتال ضمن استمرار أصل الحرب، مع وجود اعتبارات مصلحية وتنظيمية تدفع إلى هذا التجميد المؤقت.

وفي بعض التجارب، كما في نماذج الحروب القصيرة أو المحدودة، لا يكون هناك اتفاق شامل، بل مجرد امتناع متبادل عن الهجوم ضمن شروط غير مكتوبة أو تفاهمات ضمنية، وهو ما يجعل الحالة أقرب إلى إدارة للصراع لا إلى إنهائه.

وفي المحصلة، فإن هذه العملية برمتها تقوم على تداخل عنصرين: تشخيص المصداق الخارجي الذي يعود إلى القادة العسكريين، وتشخيص الموضوع والحكم الشرعي والسياسي الذي يعود إلى ولي الفقيه. ومن خلال هذا التداخل تتحدد طبيعة المرحلة: هل هي حرب، أم وقف إطلاق نار، أم صلح، أم مرحلة هدوء مؤقتة.

وكما تُظهر التجارب التاريخية، فإن تغير الظروف يؤدي إلى تغير الموضوع نفسه، كما في التحولات التي شهدتها المراحل المختلفة من التاريخ الإسلامي، حيث كانت طبيعة المواجهة تتبدل تبعاً لتبدل المعطيات، مع بقاء الهدف العام مرتبطاً بصلاح الأمة ومسارها العام.

*ترجمة وتحرير مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل