يُعدّ الأطفال، بحكم فطرتهم، كائنات مقلِّدة تلتقط السلوكيات من محيطها القريب بدقة لافتة، وتعيد إنتاجها دون وعي تحليلي. ومن أبرز هذه السلوكيات اليوم طريقة تعامل الوالدين مع الهاتف المحمول. لذلك، فإن تربية جيل متوازن تستلزم من الآباء أن يكونوا نموذجًا واعيًا في إدارة حضورهم الرقمي، من خلال إعطاء الأولوية للعلاقات الأسرية، وتنظيم أوقات وأماكن استخدام الأجهزة.

يتناول حجة الإسلام تراشيون، الخبير والمستشار الأسري هذا الموضوع من زاوية عملية، مركّزًا على دور القدوة في تعديل سلوك الطفل.

أولًا: الطفل مرآة السلوك الأسري

الأطفال، بوصفهم مقلّدين بالفطرة، يراقبون سلوك من حولهم بدقة، ثم يعيدون تمثيله بصورة تلقائية. هذه الخاصية ليست عرضًا طارئًا، بل سمة نمائية طبيعية.

فعندما يرى الطفل أمه منشغلة بهاتفها، وأباه كذلك، وأخاه الأكبر غارقًا في شاشة هاتفه، بل ويلاحظ أن معظم الحاضرين في التجمعات العائلية مشغولون بالأجهزة، فإن هذا المشهد يتحول في وعيه إلى “النمط الطبيعي” للتفاعل. إنه تقليد آلي، يشبه في دقته سلوك الببغاء، مجرد إعادة إنتاج حرفية لأفعال الكبار، وهي عادة لا تمر دون أن تترك آثارها العميقة على تشكيل سلوك الطفل في المستقبل.

ثانيًا: نقطة البداية… من الوالدين

إن أول خطوة لمعالجة هذه الظاهرة لا تبدأ بالطفل، بل بالوالدين أنفسهما. فالتغيير الحقيقي في السلوك الأسري ينطلق من النموذج الأعلى داخل المنزل.

ثالثًا: تنظيم أماكن استخدام الهاتف

من المهم أن يضع الوالدان حدودًا واضحة للأماكن التي يُستخدم فيها الهاتف المحمول.

فهل من المناسب أن تتحول لحظات اجتماع الأسرة إلى حالة من الانفصال الرقمي، حيث تنحني الرؤوس نحو الشاشات بدل التفاعل المباشر؟ وهل من الملائم أن يصاحب الهاتف أفراد الأسرة إلى مائدة الطعام أو إلى غرف النوم؟

هذه المساحات تمثل ما يمكن تسميته بـ “المناطق المحظورة” أو “المناطق الحساسة”، التي ينبغي حمايتها من حضور الهاتف، حتى لا يترسخ هذا السلوك في وعي الطفل بوصفه أمرًا طبيعيًا. إن ضبط هذه الحدود المكانية يسهم بشكل مباشر في تقليل فرص التقليد غير المرغوب.

رابعًا: تنظيم أوقات الاستخدام

كما أن للمكان أهميته، فإن للزمان دورًا لا يقل أثرًا.

فليس الإشكال في استخدام الهاتف بذاته، بل في توقيته. يمكن للوالدين استخدام الهاتف لفترة محددة داخل المنزل، كأن يمضيا نصف ساعة مثلًا، لكن بشرط أن يكون ذلك في وقت لا يكون فيه الطفل في حالة تفاعل مباشر معهما؛ كأن يكون نائمًا، أو منشغلًا بلعبة بمفرده.

أما استخدام الهاتف في حضور الطفل، مع غياب التواصل البصري والانتباه، بحيث يكون الوالدان غارقين في شاشتهما والطفل أمامهما، فإنه يقدّم نموذجًا سلوكيًا واضحًا يدفع الطفل إلى تقليده.

خامسًا: تقليل حضور الهاتف داخل البيئة الأسرية

من الأساليب العملية المفيدة تقليل حضور الهاتف داخل البيت، أو على الأقل إبعاده عن متناول الأطفال وأنظارهم.

وهنا أستحضر مثالًا جميلًا لأسرة رأيتها منذ فترة ليست بالبعيدة؛ فقد خصصت هذه الأسرة علبة أحذية داخل المنزل لتكون مكانًا لوضع الهواتف المحمولة، بحيث كان جميع أفرادها ملزمين، بمجرد دخولهم إلى المنزل، أن يضعوا هواتفهم في تلك العلبة، وأن يتجولوا في أرجاء البيت بدونها.

هذا الإجراء البسيط لم يحافظ فقط على هدوء الأسرة وتماسكها، بل حمى أيضًا أجواء المنزل من الاضطرابات والانقطاعات المتكررة التي تسببها الأجهزة. إنه نهج يعيد ترتيب الأولويات، ويخلق بيئة تواصل أكثر هدوءًا وحضورًا.

سادسًا: أولوية الإنسان على الجهاز

من الإشكالات الشائعة أن يقطع أحدنا حديثه المباشر مع الآخر للرد على الهاتف. هذا السلوك، وإن بدا عاديًا، يحمل رسالة ضمنية مفادها أن المتصل أكثر أهمية من الحاضر.

فعندما يُقال: “اعذرني، سأرد على هذا الاتصال”، يُترك الطرف الآخر مع حديث غير مكتمل، وهو ما يضعف جودة التواصل الإنساني. والأجدر، ما لم يكن الأمر طارئًا، تأجيل الرد، وتقديم الشخص الحاضر على الاتصال الوارد، سواء كان زوجًا أو طفلًا أو أي محاور آخر.

حتى في المواقف التي يسأل فيها الطفل سؤالًا ويرن الهاتف، فإن مقاطعة الطفل والانصراف إلى الهاتف يرسل رسالة مؤداها أن الجهاز أهم منه، وهذا لا يمر دون أن يخلق جرحًا عاطفيًا، بل ويسهم في ترسيخ نمط سلوكي سيئ يدفع الطفل لاحقًا إلى تفضيل جهازه على والديه.

سابعًا: الأثر العاطفي على الطفل

حين يوجّه الطفل سؤالًا إلى أحد والديه، ثم يُقاطع هذا التفاعل بسبب الهاتف، فإن ذلك لا يمرّ دون أثر. بل قد يترسخ في داخله شعور بأن اهتمام والديه مشتت، وأنه ليس في صدارة الأولويات. ومع تكرار هذا النمط، قد يعيد الطفل إنتاجه مستقبلًا، فيقدّم جهازه على والديه، تمامًا كما تعلّم منهم دون وعي.

خلاصة تربوية

إن الطفل لا يتعلّم من التوجيه بقدر ما يتعلّم من المشاهدة. وما يراه يوميًا يتحول إلى معيار داخلي للسلوك. فهو يرى ويقلد، وليس لديه من قدرة تحليلية في هذه السن يمكن أن تحميه من التلقين السلوكي غير المباشر.

لذلك، فإن بناء نموذج أسري متوازن في التعامل مع الهاتف المحمول لا يقتصر على ضبط الاستخدام، بل يمتد إلى ترسيخ قيم الحضور، والانتباه، واحترام العلاقة الإنسانية المباشرة.

فالطفل، في نهاية المطاف، لا يسمع ما نقوله بقدر ما يرى كيف نعيش.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل