الغدير في القرآن؛ إعادة قراءة وثائقية في تفاسیر أهل السنة

تحليل واقعة غدير خم من منظور تفاسير أهل السنة يمثّل فرصة ثمينة للوصول إلى فهم أعمق للتراث الإسلامي المشترك. تكمن ضرورة تناول هذا الموضوع بالرجوع إلى كتاب “الغدير في القرآن من منظور تفاسير أهل السنة” في أنه بالاستفادة من المصادر الأصيلة وكبار مفسري هذا المذهب، يمكن الكشف عن طبقات من الدلالات القرآنية المتعلقة بولاية أمير المؤمنين (ع) التي لم تحظ باهتمام عام كبير.

وأجرت وكالة “إكنا” للأنباء القرآنية الدولية حواراً مع الكاتب والباحث الايراني في مكتب الدعوة الإسلامية والباحث في مدرسة الإمام الخميني (ره)، حجة الإسلام والمسلمين “الشيخ محمد يعقوب بشوي” لإيجاد إجابات على الأسئلة التالية: لماذا تُعدّ دراسة الغدير في المصادر غير الشيعية ضرورة علمية؟ ولماذا، رغم الإشارات المتكررة إليه في المصادر السنية، يُعتبر حدث الغدير نقطة خلاف بين علماء الشيعة والسنة؟ وكيف يمكن إستخلاص وقائع الغدير من المصادر الروائية باستخدام المنهج العلمي؟ وأخيراً، هل يمكن أن يكون الغدير “محور الوحدة الحضارية” للعالم الإسلامي؟

وتحدّث “الشيخ محمد يعقوب بشوي” في حوار لـ”إكنا” للردّ على الأسئلة المشار إليها أعلاه إذ أنه يعتبر من المختصين في هذا المجال لما صدر عنه من كتب ومؤلفات منها “نقد أحاديث المهدوية من وجهة نظر أهل السنة”، و”حقوق أهل البيت (ع) في تفاسير أهل السنة”، و”شخصية السيدة الزهراء (س) في القرآن من منظور التفاسير السنية”، و”الغدير في القرآن وفقاً لرواية أهل السنة”.

وعُرض الكتاب الأخير لأول مرة في الأوساط الأكاديمية واختير كـ واحد من أفضل الأعمال وحظي بدعم وزارة الثقافة الایرانیة وقد تُرجم حتى الآن إلى 23 لغة عالمية، منها الروسية (التي نُشرت في موسكو)، والسواحيلية، والأردية (في باكستان وقم)، والأذرية، والبرتغالية، والفارسية.

وفي معرض ردّه على سؤال حول الاستقبال العالمي للكتاب وما يمكن فهمه من ذلك، قال الشيخ محمد يعقوب بشوي: “إنّ الغدير قضية عالمية، ويجب عرضها على العالم.”

وأضاف: “مهمتنا اليوم هي ترجمة هذه المفاهيم إلى لغة العالم المعاصر حيث لا ينبغي لنا أن نعرض الغدير كـ قضية مثيرة للجدل، بل كـ حلّ حضاري للبشرية”.
الغدير في القرآن: إعادة قراءة الوثائق في تفاسیر أهل السنة

وأردف مبيناً: “عندما يُنشر هذا الكتاب بلغات مختلفة ويُلاقي ترحيباً في موسكو وأفريقيا وقلب أوروبا، فإنه يُظهر أن رسالة الغدير لها لغة عالمية تتجاوز الحدود الدينية وتخاطب فطرة الإنسان الباحث عن الحقيقة”.وفيما يخصّ المعيار الذي من خلاله قام بتقييم الأحاديث من بين المصادر السنية، قال الشيخ بشوي: “لقد اعتمدنا في هذا الكتاب منهجاً علمياً دقيقاً ذا شقين، إذ كنا نعلم أنه لإثبات حقيقة عظيمة كـ حقيقة الغدير، لا يمكننا الاعتماد فقط على المصادر الشيعية؛ لأن الهدف كان الحوار مع العالم الإسلامي والوصول إلى حقيقة مشتركة.”

وتابع قائلاً: “في الخطوة الأولى دخلنا في دائرة المعايير العلمية لإخواننا السنة أنفسهم وقد أخذنا علم”الجرح والتعديل”، وهي أداتهم المتخصصة في توثيق الروايات، بعين الاعتبار بشكل كامل في هذا الكتاب.”

وأردف موضحاً: “انطلقنا في بحثنا بالاعتماد على مصادرهم الخاصة، مستخدمين المعايير نفسها التي يستخدمها علماء السنة في قبول الروايات بل إننا استعنّا بمنهجهم العلمي لنثبت أنه حتى ضمن إطارهم، لا مجال للشك.”

وأكدّ الباحث الإيراني: “لكن “صحة السند” وحدها لا تكفي؛ بل يجب أن يتوافق المضمون مع الحق الإلهي، وكان المعيار الأخير، وذروة حديثنا، هو “الرجوع إلى القرآن”، وهذا مبدأ لا جدال فيه، وإرث ثمين لأهل البيت (ع)، وقد عبّر عنه الإمام الصادق (ع) في أقواله المباركة.”
الغدير في القرآن: إعادة قراءة الوثائق في تفاسیر أهل السنة

وقال: “وضعنا الروايات في سياق القرآن الكريم؛ أي تساءلنا: هل يتوافق هذا التفسير للغدير مع روح الآيات الإلهية ومكانة النبوة؟ وعندما وضعنا السيرة التاريخية لأمير المؤمنين (ع) إلى جانب هذه الآيات، وجدنا أن هذا التفسير هو الوحيد المتوافق مع واقع السيرة العلوية ورسالة النبي محمد (ص).”

ولخّص الشيخ بشوي المنهج الذي اتبعه في دراسته، قائلاً: “وضعنا مثلثا من الحجج: الإثبات وفقاً لمبادئ أهل السنة، والتوافق التام مع آيات القرآن الكريم، وتوافق الروايات مع الأدلة التاريخية الثابتة. وعندما تجتمع هذه العناصر الثلاثة، لا يعود النقاش مجرد مسألة دينية، بل يصبح حقيقة ثابتة. وبهذا، لجأنا إلى الحجة بدلاً من الجدل، حتى يتمكن أي قارئ منصف، بغض النظر عن توجهه، من الوثوق بهذا البحث العلمي.”

وصرّح أن “المحور المهمل في حوارنا اليوم مع العالم الإسلامي وحتى العالم المعاصر، هو فهم الصلة بين الولاية والتوحيد. نحن أحياناً نرى الولاية كبحث جانبي، بينما الولاية هي قلب التوحيد. التوحيد يعني قبول الحاكمية المطلقة لله. لكن السؤال هو: كيف تتجلى هذه الحاكمية في العالم المادي وفي مسار التاريخ؟ لقد أرسل الله الحكيم الدين لهداية البشر؛ فهل من الممكن ألا يكون قد وضع لهذه الهداية حامياً ومفسراً معصوماً؟ الولاية هي تلك الآلية التي تحول التوحيد من فكرة مجردة إلى واقع متجسد في الحياة. الدين بلا ولاية، يعني ديناً بلا حماية أمام عواصف القوة، والتحريفات، والبدع، وسرعان ما يتلوث بالأهواء البشرية”.
الغدير في القرآن: إعادة قراءة الوثائق في تفاسیر أهل السنة
وأضاف: “نحن اليوم في نقطة تحول تاريخية. هذا الكتاب وهذه الجهود، ليست من أجل الانتصار في نزاع كلامي، بل من أجل تقديم إجابة حضارية لاحتياجات الإنسان المعاصر. الإنسان الذي ضاع في فوضى القيادات البشرية ويتوق لسماع حقيقة القيادة الإلهية”.

وفي الختام، قال الشيخ محمد يعقوب بشوي: “طلبي من جميع المفكرين والنخب والمهتمين في العالم، سواء في العالم الإسلامي أو خارجه، هو: تعالوا نعيد قراءة هذه النقطة المشتركة العظيمة. رسالة أمير المؤمنين (ع) هي رسالة العدل، والحكمة، والصراحة في الحق؛ هذه الرسالة هي إرثنا المشترك وتخص جميع الأحرار في العالم. نحن فخورون بأن نكون خداماً لهذه الحقيقة وندعوكم جميعاً لتكونوا معنا في هذا المسار العالمي، يداً بيد وصوتاً واحداً.إن ترويج رسالة الولاية هو ترويج لرسالة إنقاذ البشرية. وهذا هو أعظم فخر لنا أن نوصل الاسم المبارك لأمير المؤمنين (ع) كنموذج فريد للحكم الإلهي إلى مسامع العالم.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل