بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي
قال الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴿4﴾ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴿5﴾ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴿محمد: 6﴾.
هذا ضمانٌ من الله يأخذه على ذاته المقدسة ألا تضيع جهود الذين يجاهدون أعداءه لتكون كلمته هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى. وأعداء الله هم أعداء الحق، وأعداء المعروف، وأعداء الإنسان وكرامته وحقوقه، وهم الذين يعيثون في الأرض فسادًا، ويروجون للمنكر، ويحيلون حياة الإنسانية إلى بؤس وضنك وجحيم لا يطاق. فهؤلاء يلزم العقل بمواجهتهم، وتُلزم الفطرة السليمة بمقارعتهم وصدِّهم عن غيِّهم وفسادهم وجورهم وظلمهم.
ومواجهة الباطل تتطلب تضحيات عظيمة، وأثمانًا باهظة، ومعاناة قاسية من سجن، وجرح، وقتل، وتشويه سمعة، وتضييق في المعيشة. فمن صبر على ذلك كله، وتقرب به إلى الله تعالى، ضمن الله له أولًا أن تثمر جهوده، وثانيًا ألَّا تضيع تلك الجهود، بل ينميها سبحانه ويزيدها ويربيها ويديم آثارها حتى تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. فكل تضحياتهم محفوظة، وآثارها باقية، ولا تستطيع قوة أن تمحوها أو تطفئ نورها، كما قالت عقيلة بني هاشم زينب (ع) لیزيد الطاغية: “فَكِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، وَناصِبْ جُهْدَكَ، فَوَاللَّهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَلَا تُمِيتُ وَحْيَنَا”.
وقد صدقت بنت أمير المؤمنين (ع) وتلميذة القرآن الکریم، فيما قالت، فها هو دم الامام الحسين (ع) لا يزال غضًّا طريًّا على الرغم من كرور السنين وتوالي الدهور، ولم يزل دين رسول الله (ص)، الذي استشهد الحسين (ع) من أجل بقائه، حيًّا في حياة الناس، يربطهم بالله الواحد الأحد، ويواكبهم في مختلف العصور، ولم تزل الشهادة لله بالوحدانية، والشهادة لمحمد (ص) بالرسالة، يتسع نطاقهما في أرجاء الأرض.
ومن اللطيف أن الله سبحانه لم يقتصر على ضمان بقاء أعمالهم، بل ضمن بقاء عنايته بهم أنفسهم، ففرَّق بين العمل وصاحبه، فقال: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾، ثم قال: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾، فأعمالهم محفوظة لا يعتريها الضياع، وهم محفوظون لا تنقطع عنهم رعاية الله ولطفه، فالقتل في سبيل الله ليس نهاية طريقهم، وإنما هو انتقال من ميدان العمل إلى ميدان الجزاء، ومن دار التكليف إلى دار الكرامة، حيث تستمر هداية الله لهم كما استمرت لهم في الدنيا، بل على وجه أكمل وأتم.
وهناك ضمان آخر ضَمِنَه الله على ذاته المقدسة للمجاهدين والشهداء، وهو قوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾. فهو سبحانه يوفِّقهم إلى العمل بما يجب، ويسدِّدهم إلى ما ينبغي، ويرزقهم الحكمة والبصيرة، فتكون خطواتهم في حياتهم واعيةً، حكيمةً، نافعةً في الدنيا، ثم لا تنقطع عنهم هدايته بعد انتقالهم منها، بل يهديهم إلى مقامات رضوانه، ويعرفهم طريق كرامته، ويقودهم إلى منازل النعيم التي أعدها لهم. فهداية الله لعباده المؤمنين لا يقف أثرها عند حدود الدنيا، وإنما تمتد إلى الآخرة، فيكون هو سبحانه هاديهم إلى رحمته كما كان هاديًا لهم إلى طاعته.
وقوله تعالى: ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ من أبلغ ما قيل في تمام النعمة؛ لأن البال هو موضع الفكر والقلب، ويطلق على شأن الإنسان كله، فإذا أصلحه الله فقد أصلح له دينه ونفسه وعاقبة أمره، وأذهب عنه كل خوف، وكل حزن، وكل اضطراب، وكل ما يكَدِّر صفو وجوده، فيعيش في سكينة لا يعكرها شيء، وطمأنينة لا يشوبها قلق، ورضا لا يخالطه سخط، سواء في حياته وهو يواجه الشدائد، أو بعد وفاته وهو في جوار ربه الكريم.
ثم يجعل سبحانه خاتمة أمرهم إلى الخير كله، فيدعوهم إلى جواره، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴿محمد: 6﴾، أي يدخلهم الجنة التي عرّفهم منازلها، وألَّف قلوبهم بها، وهيأها لهم، حتى يكون دخولهم إليها دخول من يقدم على منزله الذي يعرفه ويأنس به، لا دخول الغريب إلى مكان يجهله، وهكذا جمع الله لهم بين بقاء الأثر في الأرض، وكمال الكرامة في السماء؛ فخلّد رسالتهم بين الناس، وخلّد نعيمهم عنده، وذلك هو الفوز الذي لا يدانيه فوز.



