أكّد حجّة الإسلام أسبكتبار، أنّ واقعة “غدير خمّ” تمثّل نقطة الاتصال بين النبوّة والإمامة، مبيّنًا أنّه لو تحقّقت توجيهات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) في الغدير على وجهها الصحيح، لكانَ المسلمون اليوم في قمّة الحضارة والعلم والاقتدار العالميّ.
في معرض تبيينه للأبعاد التاريخيّة والعقائديّة لواقعة الغدير، هنّأ حجّة الإسلام علي أسبكتبار المسلمين بحلول أيّام عشرة الإمامة والولاية، موضحًا أنّ النبيّ الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) كُلّف من قبل اللّه تعالى بأن يكمل رسالته في الثامن عشر من ذي الحجة بتعيين الخليفة من بعده في طريق عودته من حجّة الوداع.
وأشار إلى الآية 67 من سورة المائدة المباركة، مبيّنًا أنّ اللّه تعالى خاطب نبيّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، مؤكّدًا أنّ هذه الآية الشريفة تكشف عن الأهمّيّة المصيريّة لقضيّة الولاية في استمرار الدين الإسلاميّ الحنيف.
وأوضح هذا الخبير الدينيّ أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أمر بتوقّف جميع الحجّاج وسط الهجير الحارق لمنطقة “الجُحْفَة” وفي موضعٍ يُعرف بـ “غدير خُمّ”، حيث اعتلى منبرًا أُقيم من أحداج الإبل، وألقى خطبةً بليغةً وخالدةً، ثمّ رفع يد الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، منصّبًا إيّاه رسميًّا وليًّا للأمر، وإمامًا للأمّة الإسلاميّة، وخليفةً بالحقّ من بعده.
وتابع سماحته موضحًا أنّ عبارة «مَن كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه» تمثّل وثيقةً حيّةً على حقّانيّة التشيّع، مذكّرًا بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لم يسمح من خلال هذا الإجراء الاستراتيجيّ بأن تنقطع مسيرة الرسالة من بعده، أو أن تبقى الأمّة الإسلاميّة بلا قائدٍ بعد رحيله، بل إنّه وصل النبوّة بالإمامة لكي تستمرّ الولاية إلى قيام الساعة.
وفي سياق تحليله للواقع الراهن في العالم الإسلاميّ، صرّح حجّة الإسلام أسبكتبار بأنّ هذه الواقعة العظيمة لو كانت قد استمرّت بناءً على التوجيهات الإلهيّة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)، لكان وضع أتباع الدين المحمديّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) اليوم مختلفًا تمامًا، مستطردًا أنّه لو لم ينحرف المجتمع الإسلاميّ عن ذلك المسار، لكانت راية التوحيد ترفرف اليوم فوق جميع مراكز القوّة في العالم، ولكان المسلمون هم المرجع العلميّ والثقافيّ للبشرية جمعاء.
وأكّد أنّ عبّاد الدنيا والأشخاص غير الأكفاء، ببالغ الأسف، حالوا دون التحقّق الكامل لأهداف الغدير عبر تجاهلهم للأمر الإلهيّ الصريح، موضحًا أنّ الخيارات الخاطئة ووصول العناصر غير الصالحة إلى مواقع الحكم لم يمنعا ازدهار الإسلام فحسب، بل كانا سببًا لكثيرٍ من الآلام والمصائب التي حلّت بالأمّة الإسلاميّة على مرّ التاريخ.
ولفت سماحته إلى المكانة التي تحتلّها واقعة الغدير في المصادر الروائيّة لدى الفريقين، مشيرًا إلى أنّ علماء المسلمين ألّفوا مؤلّفاتٍ كثيرةً حول حديث الغدير، وأنّ هذا الحديث بلغ حدّ التواتر، بحيث لا يمكن أن يشكّ في هذه الحقيقة التاريخيّة إلّا المتعصّبون والمتطرّفون الذين حُرموا من منطق البحث العلميّ، مضيفًا أنّ هذه التيّارات المنحرفة ذاتها وامتداداتها الإجراميّة في العصر الحاضر ما زالوا يسعون إلى تحقيق أهوائهم النفسيّة من خلال سفك دماء الأبرياء.
كما أشاد حجّة الإسلام أسبكتبار بالجهود العلميّة التي بذلها علماء الشيعة في خدمة قضيّة الولاية، مبيّنًا أنّ العلّامة الأمينيّ (رحمه اللّه) قدّم من خلال كتابه الفريد «الغدير» أقوى وأوثق دفاعٍ علميّ عن مقام الولاية، وأنّ هذا السفر العظيم أسدى خدمةً جليلةً لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وأسهم في هداية واستبصار عددٍ كبيرٍ من طالبي الحقيقة في مختلف أنحاء العالم.
وأشار كذلك إلى اهتمام علماء أهل السنّة بهذه الواقعة، موضحًا أنّ عددًا كبيرًا من كبار علمائهم ألّفوا كتبًا مستقلّةً في هذا المجال، من بينها كتاب “الدراية في حديث الولاية” لأبي سعد السجستانيّ، وكتاب “الردّ على الحرقوصيّة” لمحمد بن جرير الطبريّ، وكتاب “دعاء الهداة” للحسكانيّ، وكتاب “حديث الولاية” لابن عقدة.
كما استعرض سماحته عددًا من المصادر المعتبرة في التراث الحديثيّ عند أهل السنّة، مبيّنًا أنَّ أعلامًا كبارًا أمثال ابن عساكر في “تاريخ دمشق”، والذهبيّ في “ميزان الاعتدال”، والطحاويّ في “مشكل الآثار”، وابن كثير في “البداية والنهاية”، والمتّقي الهنديّ في “كنز العمال”، قد أوردوا هذا الحديث الشريف بطرقٍ متعدّدةٍ، وهو ما يشهد على عظمة واقعة الغدير ومكانتها الراسخة وغير القابلة للإنكار في تاريخ الإسلام.





