تراث القائد الشهيد يعدّ مدرسة تدعو إلى تحويل الإيمان إلى مشروع حضاري

تراث القائد الشهيد يعدّ مدرسة تدعو إلى تحويل الإيمان إلى مشروع حضاري

 أكد “العلامة الدكتور السيد علي السيد” أن الإرث الحقيقي للقائد الشهيد سماحة آية الله السيد علي الخامنئي لايكمن في المواقف الآنية، بل في مدرسة فكرية تدعو إلى تحويل الإيمان إلى مشروع حضاري، وإلى بناء أجيال تمتلك العلم والوعي والقدرة على تحمل المسؤولية التاريخية.

وأعلن عن ذلك، رئيس اللجنة العالمية لحوار الأديان وعضو الأكاديمية الحبرية المريمية في حاضرة الفاتيكان وممثل المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى في لبنان “العلامة الدكتور السيد علي السيد قاسم” في معرض حديثه عن  التراث الخالد لسماحة الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي.
وأوضح: “أعتقد أن تقييم أي شخصية تاريخية ينبغي أن ينطلق من أثرها في صناعة الوعي لا من حجم السلطة التي امتلكتها. ومن هذه الزاوية، فإن الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي ترك تراثًا فكريًا ورساليًا يتجاوز حدود الدولة إلى فضاء الأمة والإنسانية. فقد انطلق من رؤية تعتبر أن الدين ليس مجرد منظومة شعائر، بل مشروع لبناء الإنسان وصيانة كرامته وإقامة العدل ومواجهة الظلم، مستلهمًا قوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾”.

وأوضح: “لقد كان يرى سماحة القائد أن الاستقلال ليس شعارًا سياسيًا، وإنما شرطٌ لحفظ هوية الشعوب، وأن القوة الحقيقية تبدأ من بناء الإنسان الواعي علميًا وأخلاقيًا وروحيًا. كما سعى إلى ترسيخ معادلة تجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الثبات على المبادئ والحضور الفاعل في العالم، رافضًا اختزال العلاقة مع الآخر بمنطق الصدام الدائم أو التبعية”.

وصرّح الدكتور السيد علي السيد قاسم: “لذلك فإن إرثه الحقيقي لا يكمن في المواقف الآنية، بل في مدرسة فكرية تدعو إلى تحويل الإيمان إلى مشروع حضاري، وإلى بناء أجيال تمتلك العلم والوعي والقدرة على تحمل المسؤولية التاريخية. وأحسب أن خلود هذا التراث سيقاس بقدرته على إلهام الإنسان ليكون أكثر عدلًا ورحمةً وثباتًا، لا بقدر ما يُكتب عنه من مؤلفات أو يُقال فيه من خطابات”.

وفي معرض تقييمه لمشاركة وفود الكثير من الدول في مراسم تشييع ووداع سماحة القائد الشهيد الامام الخامنئي في طهران، قال رئيس اللجنة العالمية لحوار الأديان في لبنان إن “المشاركة الواسعة لوفود رسمية وشعبية ودينية من ثقافات واتجاهات متعددة ووصلت الى حوالي مئة دولة  تحمل دلالات تتجاوز البعد البروتوكولي. فهي تعكس اعترافًا بأن الشخصيات التي تترك أثرًا عميقًا في التاريخ لا تبقى محصورة في إطارها الوطني، بل تتحول إلى موضوع اهتمام عالمي، سواء من قبل المؤيدين أو المختلفين معها”.
وأضاف أنه “من وجهة نظري، فإن القيمة الأهم لهذه المشاركة تكمن في أنها تؤكد أن الحوار والاحترام المتبادل يظلان ممكنين حتى في ظل التباين السياسي والفكري. نحن بحاجة إلى قراءة مثل هذه المناسبات باعتبارها فرصة لإعادة بناء الجسور بين الشعوب، لا لتوسيع الانقسامات. فالقرآن الكريم يؤسس لعلاقة التعارف بقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾، وهذه الآية تمثل قاعدة حضارية تتجاوز حدود الدين والجغرافيا”.

وقال: “إذا استطاعت مناسبة بهذا الحجم أن تجمع ممثلين عن أمم وثقافات مختلفة حول قيم الاحترام والوفاء، فإنها تقدّم رسالة بأن الإنسانية ما زالت قادرة على إيجاد مساحات مشتركة رغم كثافة الصراعات. والمسؤولية اليوم هي أن يتحول هذا المشهد إلى دبلوماسية إنسانية دائمة، تعزز ثقافة الحوار، وتحترم خصوصيات الشعوب، وتدافع عن العدالة باعتبارها أساس السلام الحقيقي”.

تراث القائد الشهيد يعدّ مدرسة تدعو إلى تحويل الإيمان إلى مشروع حضاري
وأشار الى دور القائد الشهيد في تعزيز الحوار بين الأديان والتقريب بين المذاهب الإسلامية، قائلاً: “أرى أن هذه الصفحة من مسيرة الإمام الشهيد تستحق اهتمامًا أكبر، لأنها تكشف عن البُعد الحضاري لمشروعه. فقد كان ينطلق من أن الاختلاف سنة كونية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للعداء أو الإقصاء، ولذلك دعا باستمرار إلى إدارة التنوع بروح المسؤولية، وإلى تقديم المشتركات الإسلامية والإنسانية على عوامل الفرقة. وقد انعكس ذلك في دعمه المتواصل لمشاريع التقريب بين المذاهب الإسلامية، وتشجيعه للحوار مع أتباع الديانات الأخرى على قاعدة الاحترام المتبادل وصيانة الكرامة الإنسانية. وهذا ينسجم مع التوجيه القرآني: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾، وقوله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾”.

واختتم حديثه قائلاً: “من خلال تجربتي في رئاسة اللجنة العالمية لحوار الأديان وعضويتي في الأكاديمية الحبرية المريمية في الفاتيكان، أؤمن أن العالم لم يعد يحتمل مزيدًا من خطاب الكراهية، بل يحتاج إلى قيادات تجمع بين الثبات على الهوية والانفتاح على الإنسان. والحوار الحقيقي لا يعني التنازل عن العقيدة، بل تقديمها بأخلاقها، وتحويلها إلى مصدر للرحمة والعدل والتعاون. وأعتقد أن هذا هو أحد أهم معالم الإرث الذي تركه الإمام الشهيد؛ إرثٌ يدعو إلى أن تكون العقيدة قوةً لبناء الحضارة وخدمة الإنسان، لا وسيلةً لإنتاج الانقسام، وأن تبقى الرسالات السماوية جسورًا للتعارف وإقامة الحق، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾”.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل