لماذا أثّرت خطبة الإمام السجاد (ع) في الشام، بينما لم تُحدث كلمات الإمام الحسين (ع) في الكوفة الأثر نفسه؟

بيّن آية الله محمد تقي مصباح يزدي (قدس سره) أن الناس في جميع المجتمعات ليسوا على درجة واحدة من الإيمان والمعرفة والالتزام بالقيم، موضحًا أن الكوفة، رغم وجود مؤمنين ومحبي أهل البيت (ع)، كانت ترزح تحت أجواء خانقة من القمع والاستبداد بعد استشهاد مسلم بن عقيل (ع)، الأمر الذي حال دون تحقق تأثير واسع لخطب الإمام الحسين (ع).

 

السؤال: لماذا كان لخطبة الإمام السجاد (ع) في الشام ذلك الأثر العظيم، بينما لم تُحدث كلمات الإمام الحسين (ع) وأصحابه في الكوفة تأثيرًا مماثلًا؟

جواب آية الله محمد تقي مصباح يزدي (قدس سره)

الاسلام الاصيل IslamAsil

النقطة الأولى

يمكن القول، بصورة عامة، إن المجتمعات جميعها، حتى عندما تسودها ثقافة قيمية قوية، لا يكون أفرادها على مستوى واحد من الالتزام بهذه القيم أو التأثر بها.

فالذين تربّوا على يد النبي (ص) سنوات طويلة، بعضهم طوال ثلاث وعشرين سنة وبعضهم مدة أقل حتى مرحلة الشباب، كانوا متفاوتين تفاوتًا كبيرًا في مراتب الإيمان والمعرفة والالتزام بالقيم الدينية. فالذين بلغوا أعلى مراتب الإيمان كانوا قلة قليلة، كما أن الذين اتسموا بالعناد وكانوا مستعدين للتضحية بكل شيء من أجل محاربة الإسلام كانوا أيضًا قلة نادرة، أما غالبية الناس فكانت تقع بين هذين الطرفين، مع تفاوت في الدرجات.

النقطة الثانية: علاقة المجتمع بقياداته

إن طبيعة علاقة المجتمع بقياداته، ومدى سعي الناس إلى موافقتهم أو معارضتهم، ترتبط بمستوى نضجهم العلمي والأخلاقي والقيمي.

فإذا كانت غالبية أفراد المجتمع ـ كما هو الحال في أكثر المجتمعات ـ ضعيفة من الناحية الأخلاقية والقيمية، وكان الحكام أيضًا من جنسهم، فإن الصدام بين السلطة والناس يكون محدودًا في مثل هذه المجتمعات.

النقطة الثالثة: الظروف الاستثنائية واضطراب النخبة

قد تمر بعض المجتمعات بظروف استثنائية تهدد حتى النخب والطبقات الأولى فيها وتزعزع مواقفها، وهي ظروف لم تكن مستعدة لمواجهتها.

وفي مثل هذه الحالات يظهر بين النخب من لا يعرف كيف يتصرف ولا يدرك تكليفه، أو يصبح هو الآخر أسيرًا للظروف، فيلجأ إلى الصمت حفاظًا على مصالحه ومنافعه.

ولا بد من الالتفات إلى هذه النقاط الثلاث حتى يتضح الجواب عن هذه المسألة.

وضع أهل الكوفة

لا شك أن في الكوفة أشخاصًا تأثروا مباشرة بخطب أمير المؤمنين (ع) وسيرته، وبلغوا مراتب عالية من الإيمان.

وقد خرج بعض هؤلاء المتميزين إلى كربلاء، بينما كان هناك آخرون يسيرون على نهجهم دون أن يبلغوا مستواهم في الإيمان أو المعرفة، إلا أنهم كانوا صالحين ومتدينين، ولم يكونوا يقدّمون بني أمية على آل علي (ع).

لكن أجواء القمع والخوف التي كانت تخيم على الكوفة بلغت حدًا جعلهم عاجزين عن أي مقاومة، حتى إن أقصى ما استطاعوا فعله هو الفرار سرًا من المدينة أو الاختفاء والعيش في الخفاء، ولا سيما بعد استشهاد مسلم بن عقيل (ع).

وفي مثل هذه الظروف، لا يكون من الواقعي توقع أن تتغير أوضاع الناس بمجرد خطبة أو بضع كلمات.

وضع أهل الشام

أما في الشام، فقد كان الناس في الأصل لا يحملون عداءً لأهل البيت (ع)، ولا للإسلام.

بل إنهم تلقوا الإسلام أساسًا من بني أمية، ولم تكن لديهم مشكلة مع حكمهم؛ لأن غالبية الناس لم تكن تبحث عن الحقائق، وكانت تترك أمرها لقادة السلطة بوصفهم أصحاب النفوذ.

ومع ذلك، بقيت في نفوس كثير منهم دوافع الفطرة السليمة، ولم تكن قد أُخمدت تمامًا. كما أن السلطة لم تكن بحاجة إلى فرض مستوى القمع والأجواء الأمنية نفسها التي كانت مفروضة في الكوفة.

ولهذا، عندما سنحت الفرصة وألقى الإمام السجاد (ع) خطبته البليغة، كانت النفوس مهيأة لتقبّلها، إذ إن دوافع الفطرة لم تكن قد تعرضت للقمع الكامل، وكان انحراف معظم الناس ناشئًا عن الجهل. فلما وجدوا من يزيل هذا الجهل ويكشف لهم الحقائق، تأثروا بما عرفوه استجابةً لفطرتهم الأولى.

النتيجة: اختلاف أثر الخطاب في المجتمعين

إن اختلاف تأثير هذين الخطابين، في الكوفة والشام، يعود إلى اختلاف الظروف التي نشأت في كل منهما خلال فترة حكم بني أمية.

ففي الشام بقيت الدوافع الفطرية لدى الناس سليمة إلى حد كبير، وكان انحرافهم ناتجًا في الأساس عن الجهل.

أما في الكوفة، فقد أدى القمع الشديد والضغوط التي مورست على الناس إلى إضعاف تأثير هذا النوع من الإرشاد، في حين وجد في الشام قابلية لتحقيق أثر نسبي لهذه الخطب.

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال/ هل صحيح ان جبرائيل عليه السلام قال في يوم معركة أحد لا فتى إلا علي لا سيف إلا ذو الفقار؟
أحكام شرعية | القرض بشرط الاقتراض
لماذا أثّرت خطبة الإمام السجاد (ع) في الشام، بينما لم تُحدث كلمات الإمام الحسين (ع) في الكوفة الأثر نفسه؟
السؤال/ السلام عليكم هناك مقولة تقول " لن تدخل بعملك بل بعفو الله والله يقول " وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين "ويقول " فإن الله لا يضيع أجر المحسنين "ويقول " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره" فلو كان المؤمن واقف على الحدود ، ويعمل الصالحات الا يدخل الجنة بعمله يعني كيف لنا ان نتصور ان الانسان لا يدخل الجنة بعمله بل بعفوه وكرمه؟ هل المقصود ان الله وفقه للخير والعمل الصالح ، فلو تركه ونفسه لما وفق ، هل من هذه الجهة ، او هناك تخريج آخر ؟
الأحكام الشرعية | هل يجوز للشخص العاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل