إن قيمة أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) تكمن في أنهم اختاروا موقفهم عن وعيٍ وإرادةٍ حرة. فقد رفع الإمام البيعة عنهم ليلة عاشوراء وفتح لهم باب الرحيل، حتى لا يبقى معه أحد بدافع الإكراه. ومن هذا المنطلق، فإن عظمة نهضة عاشوراء تتمثل في الحرية والوعي والاختيار الواعي لأصحاب الإمام.
أفادت وكالة أنباء الحوزة بأن الأستاذ الشهيد مطهري أجاب في أحد مؤلفاته عن سؤال: «لماذا كان اختيار أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) اختيارًا واعيًا؟»، وفيما يلي نص كلامه:
لقد خاطب الإمام الحسين (عليه السلام) أصحابه ليلة عاشوراء بطريقة خاصة، فقال لهم: إن القوم لا يريدون غيري، وأهل بيتي لا يعرفون أحدًا في هذه الصحراء، فليخرج كل واحد منكم مع أحدٍ من أهل بيتي وليرحل، أما أنا فسأبقى هنا وحدي.
لماذا فعل ذلك؟ إن القائد الذي يريد استثمار سخط الناس وعدم رضاهم لا يتحدث بهذه الطريقة، بل يظل يذكّرهم بالواجب الشرعي. صحيح أن الواجب الشرعي كان قائمًا، ولم يغفل الإمام الحسين (عليه السلام) عن بيانه، لكنه أراد منهم أن يؤدوا هذا الواجب بمنتهى الحرية والوعي. لقد أراد أن يقول لهم: إن العدو لا يحتجزكم، ولا يفرض عليكم أي إكراه. فإذا استغللتم ظلام الليل ورحلتم فلن يعترضكم أحد. كما أن الصديق أيضًا لا يجبركم على البقاء. وإن كنتم ترون أن البيعة قد أوجدت عليكم التزامًا أو إلزامًا، فقد رفعتُ عنكم البيعة أيضًا. أي إنه لم يبقَ أمامكم سوى حرية الاختيار. فعليكم أن تختاروني بكامل الوعي والحرية، ومن دون أن تشعروا بأدنى قدر من الإكراه، سواء من جهة العدو أو من جهة الصديق.
وهذا هو الذي منح شهداء كربلاء قيمتهم الحقيقية. وإلا فإن طارق بن زياد، عندما فتح الأندلس، وبعد أن عبر بسفنه ذلك المضيق، أمر بالإبقاء على مؤونة تكفي لأربعٍ وعشرين ساعة فقط، وأمر بإحراق ما زاد عليها، ثم أحرق السفن أيضًا. وبعد ذلك جمع الجنود والضباط، وأشار إلى البحر العظيم من خلفهم، وقال: أيها الناس، العدو أمامكم، والبحر وراءكم. فإن أردتم الفرار، فلن تجدوا طريقًا سوى الغرق في البحر، إذ لم تعد هناك سفينة. وليس لديكم من الطعام إلا ما يكفي لأربعٍ وعشرين ساعة، وبعدها ستموتون. أما طعامكم فهو في قبضة العدو. أي إنه وضعهم أمام حالة من الإكراه. فماذا عساه أن يفعل الجندي سوى أن يقاتل حتى آخر قطرة من دمه؟
أما الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد تعامل مع أصحابه على النقيض من طارق بن زياد. فلم يقل لهم: العدو من هذا الجانب سيقضي عليكم، ومن الجانب الآخر ستُهلكون، فلا سبيل أمامكم إلا أن تمضوا معي إلى الموت. ولم يقل لهم: ما دمتم مقتولين على كل حال، فتعالوا واقتلوا معي.
إن مثل هذه الشهادة لا تكون ذات قيمة. فهذا هو أسلوب السياسي. أما الإمام فقال لهم: لا الصديق يجبرك، ولا العدو يجبرك، فاختر ما تشاء، وبمنتهى الحرية. ومن هنا، فإن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، في المقام الأول، هي ثورة قامت على الوعي والاختيار.