قال الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية “الشيخ الدكتور حميد شهرياري”: إن “حرب رمضان” (الاربعين يوما) مفروضة على جمهورية إيران الإسلامية منذ أكثر من ستة أشهر لأن الاستكبار العالمي قلق من تنامي قوة الساعين إلى العدالة في العالم، وهو لا يطيق وجود قوة أخرى إلى جانبه.
ونوه فضيلته الى الصمود والاقتدار الذي جسدته القوات المسلحة الايرانية بدعم الشعب الايراني المقاوم في مواجهة العدو الامريكي والصهيوني خلال حرب رمضان، قائلا: لقد أثبتنا أننا المالك الأصلي لمضيق هرمز؛ فقد أرغمنا القواعد الأمريكية في المنطقة على إخلاء جنودها، وتمكّنا من طرد البوارج الأمريكية من المنطقة وإبعادها كيلومترات عن أراضينا.. خوفاً من أن تطالهم الصواريخ الإيرانية.
وتابع الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية: اليوم، تعد العدالة الإيرانية نموذجاً للعالمين، حيث بعثت الأمل في نفوس المستضعفين وأذهلت العالم بأسره؛ لقد قاومنا العدوان الأمريكي وانتصرنا عليه، وهذا ما يشهده العالم بعين يقظة.
وافادت وكالة انباء التقريب (تنـا)، ان النص الكامل لكلمة الشيخ الدكتور شهرياري خلال قمة موسكو الدينية العالمية الثانية، جاء على الشكل الاتي:-
بسم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ/
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين/
أولاً أشكر القائمين بهذا المنتدى الاسلامي العالمي لكى نقوم بتبيين تحديات القيم الاخلاقية في العالم المعاصر، وتعزيز السلم والامن؛ خصوصاً المفتي الشیخ راویل بنجایف، ومعاونيه في هذا المؤتمر.
ولجنة مجلس الاتحاد الروسي بنيابة الرئيس شيخ راویل بنجايف لدعوتهم الكريمة.
في هذا الوضع وهذا الوقت الحرج، أود أن أتحدث عن قيمتين إسلاميتين :- الكرامة والعدالة.
الكرامة قيمة إنسانية وهبها الله لجميع البشر بغض النظر عن دينهم أو مذهبهم أو عقيدتهم، حتى أولئك الذين لا يعبدون الله يتمتعون بهذه السمة الدنيوية، أي الكرامة والشرف الإنساني؛ [ولقد كرمنا بني آدم].
والعدالة هي رعاية حق الغير و هو القيمة الاجتماعية الأسمى والأكثر قبولاً التي أكد عليها الله سبحانه وتعالى؛ وفي مقابلها فإن الظلم هو أخذ حق الغير بالعدوان.
فللإنسان حقوق مسلّمة يجب على الجميع احترامها، ومن أهمها حق العيش والحياة، وحق الغذاء والماء، وحق الإقامة في وطنهم، وحق الحرية.
ولا يحق لأي إنسان أن يقتل إنساناً آخر دون وجه حق، أو يحاصره ويحرمه من الحق في الغذاء والماء والمسكن والوطن. [انَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسَانِ وَ ايتاء ذِي الْقُرْبِي وَ يَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ]- (النمل – ٩٠)، [وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسْكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءِ ثُمَّ لَا تُصَرُونَ] – (هود ۱۱۳).
هذه هي مبادئ الانسانية التي امر بها القرآن الكريم ويجب على المسلمين الاهتمام بها من دون التوجه الى دین ومذهب ومسلک؛ غير أن هذه القيم الأخلاقية باتت تواجه تحديات واسعة، واليوم نرى أن هذه هي الحقوق التي سلبت من الفلسطينيين.
القسوة والظلم هما أبشع فعل يفعله شخص تجاه شخص آخر؛ وحق الحياة هو الركيزة الاولى لحقوق الانسان.
إن الأمة الإسلامية والعالم الإسلامي تعيش حزنا وألما شديدين منذ أكثر من ٧٠ عاما. وبدعم من أمريكا و نظام الهيمنة و الكيان الصهيوني الغاصب تم احتلال جزء من فلسطين، أرض الأمة الإسلامية. لقد شَردوا أمة من وطنها وحرموها من كافة حقوق الإنسان بتدمير بيوتهم و نهب اموالهم و ممتلكاتهم بأعنف التعديات و أوحشها.
وقبل هذا، شردت عدة أجيال منهم، دون أدنى حقوق مدنية وإنسانية، إلى أراض أخرى وهو يعيشون في المخيمات، ومن يبقى في هذه البلاد والأراضي المضطهدة يشهد الهجوم والقمع كل يوم.
واليوم نشهد نزوح مئات الآلاف من العائلات في غزة و تشريد الملايين من الفلسطينين من وطنهم، واستشهاد عشرات آلالاف من المواطنين العاديين اكثرهم من الاطفال والنساء. و أصيب قريب من ۵۰ ألف شخص و كل عشر دقائق يقتل طفل، لكن لا أحد يوقفهم.
لقد أثبتت هذه السنوات، أكثر فأكثر، أن الاستكبار العالمي والغطرسة الصهيونىة بقيادة من امریکا ودعم من انجلترا وفرانسا جَلَبَت التهجير القسري وفرضت الحصار والحرب، كما تحاول كسر روح المقاومة في العالم، حتى تتمكن من الوصول إلى مصادر الطاقة العالمية وتحقيق أهدافهم الأنانية والربحية في العالم؛ وهذا ما نشاهده في حرب غزة و حرب اوكراينا.
ويظهر أن العالم المتغطرس بقيادة من امريكا لديه معايير مزدوجة في مواجهة الحرب والعدالة و يسعى لتحقيق مصالحه الخاصة، وبالتالي يتبنى سلوكيات متناقضة في مواقف مماثلة. إذا كان القتل سيئا، فهو سيئ في كل مكان، وإذا كان التشريد سيئا، فهو سيئ في كل مكان.
ولكن الكيان الغاصب يسمّي عمل قتل الابرياء من الولدان والنساء بـ “الحرب العادلة” ويطلق على الدفاع عن حقوق الانسان “الارهاب”.
هذا الذي فعله الكيان الصهيوني هو الإبادة الجماعية والتطهير العرقى و القتل الجماعي؛ إن الجرائم التي حدث في غزة و لبنان و غيرهما من البلاد الاسلامي لا ترتكبها الحيوانات في حق حيوان آخر.
لقد حان الوقت لمطالبة الأمة الإسلامية وأحرار العالم والدول المتحدة بأمرائهم وعلمائهم بالتكاتف لدعم الفلسطينيين عملياً، والتأكيد على أن هذه القضية هي أولوية العالم.
إن حرب رمضان مفروضة على جمهورية إيران الإسلامية منذ أكثر من ستة أشهر لأن لوياثان (Leviathan) الاستكبار العالمي قلق من تنامي قوة الساعين إلى العدالة في العالم، وهو لا يطيق وجود قوة أخرى إلى جانبه، ذلك أن إيران القوية تشكل نموذجاً لجميع الدول المظلومة و الإسلامية كي تعتمد وتتوكل على الله تعالى بدلاً من الاعتماد على القوى الهشة، وهذا النموذج يمثل تهديداً للأحادية (Unilateralism) الأمريكية.
وروسيا القوية نموذج للمظلومين في العالم كي يعتمدوا على شعوب بلدانهم بدلاً من الاعتماد على حلف شمال الأطلسي (NATO)، ولا يسمحوا الأمريكا وحلفائها بأن يمتلكوا العالم.
إن أمريكا تنوي الاستيلاء على العالم بأسره، ولو استطاعت لاختطفت جميع رؤساء الدول الأخرى وصارت صاحبة الموارد الطبيعية والطاقة في العالم، وهو العمل الذي شهدناه في فنزويلا، فقد أرادت أن تسمي كندا وغرينلاند إحدى ولاياتها وتغتصب أراضي الآخرين.
كما سعت كانت الادارة الامريكية الى تركيع إيران في غضون أسبوع واحد والاستيلاء عليها، ولهذا السبب استهدفت قائدنا الشهيد، واغتالت علماءنا وقادتنا وجنودنا، بيد أن هذا الخيال قد تبدد، ولم يكن سوى سبات غفلة، فقد لقن الشعب الإيراني أمريكا وحلفاءها درساً موجعا، من خلال حضوره في الشوارع، وجنودنا بحضورهم في ميدان الحرب، ورجال دولتنا بحضورهم في ميدان الدبلوماسية(Diplomacy) .
أولاً، لقد نصرنا الله وبقي اسم الشهيد الخامنئي (رض) حياً في إيران؛ واصبح آیة الله السید مجتبی الخامنئي نجل القائد الشهيد قائداً لمحور المقاومة؛ [مَا نَنْسَحْ مِنْ آيَةِ أَوْ نُفْسِهَا نَاتِ بِغَيْرِ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا].
ثانيا، لقَدْ تَمَكَّنَ الإِيرَانِيونَ عَلَى مَرُ النَّارِي مِنْ دَحْرِ الْمُعْتَدِينَ، أَوْ أَرْغَمُوهُمْ عَلَى تَبِنِّي الثَّقَافَةِ الإيرانية؛ وقد تَجَلَّى الآن عجز وضعف الأسلحة الأمريكية المتطورة أمام إرادة الشعب الإيراني.
لقد أثبتنا أننا المالك الأصلي لمضيق هرمز؛ وقد أرغمنا القواعد الأمريكية في المنطقة على إخلاء جنودها، وتمكنا من طرد البوارج الأمريكية من المنطقة وإبعادها كيلومترات عن أراضينا، إذ تباعدوا إلى مناطق نائية خوفاً من أن تطالهم الصواريخ الإيرانية.
واليوم، تعد العدالة الإيرانية نموذجاً للعالمين، حيث بعثت الأمل في نفوس المستضعفين في العالم وأذهلت العالم بأسره؛ لقد قاومنا العدوان الأمريكي وانتصرنا عليه، وهذا ما يشهده العالم بعين يقظة.
فلم يفلحوا في إسقاط نظامنا، ولم يستطيعوا القضاء على طاقتنا النووية، ولم يتمكنوا من الوقوف عَقَبَةَ أمام مسيرتنا في العلم والتقانة في بلادنا، ولم يستطيعوا النيل منا عبر تدمير صناعاتنا الصاروخية؛ بل إننا تمكنا من أن نصبح القوة الإقليمية الأولى وأن نبسط سيطرتنا على مضيق هرمز، وهو حق كنا قد غَضَصْنَا الطرف عنه لسنوات طوال.
إن هذه الحرب لیست مجرد حرب من أجل الأرض والتراب، وهي ليست مجرد حرب من أجل الهوية الوطنية للإيرانيين، ولیست مجرد حرب من أجل الاستقرار الإقليمي فحسب، بل هي حرب حضارية، ومنعطف تاريخي بارز؛ إذ إن استشهاد قائدنا هو ارتقاء رجل عظيم صانع للحضارة والذي سيزلزل التاريخ كاستشهاد الحسين بن علي عليهما السلام، وستبقى راية الثأر لدمائه مرفوعة خفاقة بأيدينا إلى قيام الساعة، لترغم بمشيئة الله أنف الباطل في تراب المذلة والفناء. بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
واليوم، تَجَلَّت ضرورة الوحدة الإسلامية في ميدان العمل والواقع، وتوصلت الدول الإسلامية من خلال التجربة إلى يقين بأن الوجود الأمريكي في المنطقة لا يسهم في صناعة الأمن، بل هو مُقَوضٌ للفرَضِ ومُزَعزع للاستقرار.
وقد أدركت دول المنطقة اليوم أن القواعد الأمريكية لم تصمم لتوفير الأمن لدول الخليج الفارسي، بل لخدمة مصالح أمريكا الخاصة في هذه المنطقة واستهداف محور المقاومة، كما أيقنت أن الأمن لا يمكن تحقيقه إلا بأيدي دول المنطقة نفسها. ولم يكن لهذا الوعي الثمين أن يتحقق لولا حرب رمضان؛ إذ كان لا بد أن يروا بأم أعينهم كيف أن الأمريكيين يتوارون عن الأنظار عند اندلاع الحرب، ويخلون قواعدهم، ويتركون دول المنطقة تواجه مشاكلها بمفردها.
ونحن نشهد الآن علاقات واسعة وعلنية بين دول المنطقة؛ وقلما شهد التاريخ نشوء مثل هذا الشعور بالتضامن بين دول المنطقة، وكذلك بين إيران وروسيا والصين وسائر الدول الصديقة، ونادراً ما كنا نرى الجميع يسعون جاهدين لخفض حدة الأزَمَات ويبعثون برسائل المودة والتعاون.
ان العلاقات الوثيقة بين إيران ودول المنطقة، وكذلك بين دول المنطقة نفسها، تدل على ارتقاء مؤشرات العدالة والتعاون الإقليمي. والآن، باتت الأمة الإسلامية الواحدة أقرب من أي وقت مضى إلى اتحاد الدول الإسلامية والدول الصديقة.
ونحن في إيران، بعد إقامة مؤتمر الوحدة الإسلامية الأربعين، قد تغلبنا – بعون الله وبسالة المجاهدين في سبيل الله بخطاب التقريب والوحدة على خطاب التكفير والفرقة. وباتت اليوم هناك فرصة استثنائية في العالم لتتعاون الدول الصديقة في منظمة شنغهاي للتعاون من أجل تحقيق التعددية الثقافية، والحد من الأحادية الأمريكية، والتركيز على القيم الأخلاقية الإنسانية المشتركة والمستدامة بدلاً من المعايير الغربية المزدوجة.
وكما انتصرت روسيا في مواجهة ظلم الفاشيين، ستنتصر اليوم جبهة العدالة المتحدة على المذهب النفعي الغربي (Utilitarianism) القائم على الظلم والأحادية. إنكم تشهدون اليوم انتصار إيران، وغداً ستشهدون قيام مظلومي العالم ضد الظلم والاستكبار العالمي، إن شاء الله.





