قال مدير مجموعة الأديان والمذاهب في جامعة باقر العلوم (ع): في فترة كان يسود فيها استبداد شديد وتيارات دعائية ضخمة ضد أهل البيت (ع)، وقفت السيدة معصومة (س) في مواجهتها من خلال روايتها الهادفة وحركتها العلمية. ويمكننا نقل هذه التحركات الهادفة إلى العالم بأسره عبر الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي والفضاء الافتراضي، وإظهار أن المرأة يمكنها، إلى جانب نشاطها السياسي والعلمي، أن تضطلع أيضا بنشاط عبادي متميز.
وقال الشيخ أكبر روستايي، عضو الهيئة العلمية في جامعة باقر العلوم (ع)، في حوار مع شفقنا بمناسبة الثالث والعشرين من ربيع الأول، ذكرى دخول السيدة فاطمة معصومة (س) إلى مدينة قم: يمكن دراسة حركة السيدة معصومة (س) ونشاطها في ثلاثة مجالات: السياسي والعبادي والثقافي. ففي المجال السياسي، نقل الإمام الرضا (ع) في حركة سياسية من المدينة إلى مرو؛ وقد أجبره المأمون على هذا السفر بهدف السيطرة على ثورات العلويين ومراقبة الإمام. وكانت وراء ذلك أهداف متعددة، منها أنه عندما عرض على الإمام ولاية العهد، كان يهدف إلى إظهاره بمظهر الساعي إلى الدنيا وتشويه مكانته المعنوية والسياسية.
وأضاف: تحركت السيدة معصومة (س) أيضا من المدينة قاصدة مرو، لكنها اختارت طريقا يختلف عن طريق الإمام. فالإمام الرضا (ع) لم يمر بمدينة قم، بينما اختارت السيدة معصومة (س) طريق ساوة وقم. وفي الواقع، قامت بحركة زينبية لمواجهة حكومة حاكم كان يريد تهميش الإمام الرضا (ع) وإظهاره بمظهر الساعي إلى الدنيا. وكان لهذا الحضور السياسي رسالة مفادها أن طريق زينب الكبرى (س) مستمر، وأن كونها المرأة ليس عائقا أمام اضطلاع النساء بدور فاعل في مواجهة الحكومة الظالمة؛ فالمرأة، شأنها شأن الرجل، تستطيع أن تؤدي دورا فاعلا في التحركات السياسية.
وفيما يتعلق بالمجال العبادي للسيدة فاطمة معصومة (س)، قال: كانت السيدة معصومة (س) تولي الفرائض والمستحبات الدينية اهتماما خاصا، وكانت خلال إقامتها في قم تتعبد في مكان مخصص لذلك. وإن اختيار مكان خاص للعبادة، عرف في الأزمنة اللاحقة باسم بيت النور، والإقامة فيه، يدل على أنها، إلى جانب اهتمامها بأصل العبادات، كانت تولي كيفية أدائها اهتماما أيضا.
وفي الواقع، كانت تلك السيدة تراعي أن العبادة ينبغي أن تؤدى وفق ترتيبات خاصة، وأن أهميتها تبلغ حدا يستدعي تخصيص مكان خاص لها. ولذلك، أظهرت السيدة معصومة سلام الله عليها من خلال ممارستها العملية أن المرأة، في الوقت الذي تستطيع فيه القيام بحركة سياسية عظيمة، ينبغي أن تكون أيضا في مستوى رفيع من الناحية العبادية، وأن تولي أعمالها العبادية اهتماما خاصا، فضلا عن أدائها بعيدا عن أنظار غير المحارم.
ولهذا الأمر تأثير في الهوية الثقافية للمرأة؛ أي إن المرأة تستطيع أن تنخرط في الشأن السياسي في المجال العام، لكنها تختار للعبادة مكانا خاصا يشبه البيت. وهذا التأكيد على المكان الخاص للعبادة يدل على أهميتها الرفيعة.
وقال: أما في المجال العلمي والثقافي، فتعرف السيدة معصومة (س) بوصفها محدثة، وقد روت أحاديث ذات مضمون سياسي أيضا؛ مثل حديث الغدير، أو الحديث المشهور من مات على حب آل محمد مات شهيدا، وتعابير من هذا القبيل. وهذه الروايات، إلى جانب نقل التعاليم الإسلامية، تحمل مضامين سياسية وتؤكد مسألة الإمامة، وتوضح من هم آل محمد وأن محبتهم ينبغي أن تحظى بالاهتمام، لا بني أمية وبني العباس. ولذلك، فإن الهوية التي منحتها السيدة معصومة (س) لهذه المدينة هي أن تكون امرأة هذه المدينة وفتاتها ناشطة وفاعلة في المجال السياسي، وفي المجال العبادي، وكذلك في المجال العلمي والثقافي.
وأشار مدير مجموعة الأديان والمذاهب في جامعة باقر العلوم (ع)، في معرض حديثه عن النماذج الأخلاقية والسلوكية والسيرة العبادية للسيدة معصومة (س) في تربية الجيل الجديد من الفتيات، إلى أن مدينة قم مدينة تاريخية وكانت منذ البداية معقلا للتشيع. وببركة حضور أهل البيت (عليهم السلام) والأسرة الأشعرية، تتمتع هذه المدينة بتقاليد دينية عميقة. وقد ورد في كتاب تاريخ قم حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال فيه:
إن لله حرما وهو مكة، ولرسوله حرما وهو المدينة، ولأمير المؤمنين حرما وهو الكوفة، ولنا حرما وهو قم، وستدفن فيه امرأة من ولدي تسمى فاطمة من زارها وجبت له الجنة.
وأضاف: لفهم حركة السيدة بصورة أفضل، من الضروري إلقاء نظرة سريعة على تاريخ العباسيين. فقد كان العباسيون حكاما مستبدين، بل إنهم تصرفوا بصورة أسوأ من بني أمية. فعلى سبيل المثال، في عهد المنصور الدوانيقي، أقبلوا على إنتاج الكتب، وأنتجت كتب متعددة في الجغرافيا وفي فروع علوم التفسير والتاريخ والفقه والكلام وغيرها.
وكان هذا العمل بهدف مواجهة النهضة العلمية للأئمة (عليهم السلام)، وكان واضعو الأحاديث يختلقون روايات لمصلحة الحكومة. وكانت نظرية الوراثة نموذجا لهذا الجعل، إذ كانوا يقولون إن النبي جعل العباس، عمه، وارثا له، ونحن أيضا ورثنا الحكم منه! أي إن هذه الروايات صممت بالكامل لخدمة تثبيت الخلافة العباسية.
وذكر: في مثل هذه المرحلة التي كان يسود فيها خنق شديد وتيارات دعائية ضخمة ضد أهل البيت (ع)، وقفت السيدة معصومة (س) في مواجهتها من خلال روايتها الهادفة وحركتها العلمية.
ويمكننا نقل هذه التحركات الهادفة إلى العالم بأسره عبر الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي والفضاء الافتراضي، وإظهار أن المرأة يمكنها، إلى جانب نشاطها السياسي والعلمي، أن تضطلع أيضا بنشاط عبادي متميز. وينبغي أن نقدم للعالم حزمة متكاملة لشخصية المرأة الكاملة، وأن نوضح أن المرأة إذا أرادت أن تمتلك شخصية متكاملة، فعليها أن تكون متميزة في المجالات العبادية والعلمية والثقافية. ويمكن حتى، من خلال الذكاء الاصطناعي، تصميم جولات افتراضية في بيت النور وعرض المكانة العبادية للسيدة معصومة (س).
كما ينبغي أن نوضح في أي بيئة من القمع والاستبداد جرت هذه التحركات؛ وهي بيئة كانت فيها الحكومة العباسية تقف بكل قوتها، ومن خلال دعاية واسعة، في مواجهة أهل البيت. ولم تكن السيدة معصومة (س) في مثل هذه الظروف سيدة بلا منافسين؛ فقد كان هناك كثيرون ينشطون في مواجهتها، لكنها حضرت في هذا الميدان بقوة. ويمكن لعرض هذه الخصائص عبر الفضاء الافتراضي أن يكون له تأثير خاص في نفسية المراهقين لدينا، وأن يعزز اعتقاداتهم تجاه شخصية السيدة معصومة سلام الله عليها، ويمهد الطريق أمام تحركهم.





