وسط التجاذبات والصراعات التي تسود العالم ولاسيما المنطقة والدول الاسلامية من جرّاء السياسات الغربية الاستكبارية والنزعات الامريكية والممارسات الصهيونية الاجرامية، يتحتّم على المسلمين شعوبا وحكومات ومواطنين ونخبا وعلماء، ان يحتكموا الى العقلانية والرشد الذي دعا اليها الدين الحنيف واكد عليها القران الكريم؛ فالأمة اليوم تقف أمام حقيقةٍ لا مفرّ منها، بأن “العزة لا تُنال إلا بالاعتصام بحبل الله، وأن التفرق هو الطريق الأقصر إلى الضعف والذلّ، وأن المقاومة ليست خياراً ظرفياً بل مصير أمةٍ ترفض الخنوع”.
وعلى هامش هذا الحدث الاسلامي الدولي العريق، تحدثت وكالة انباء التقريب (تنـا) مع العالم والباحث الاسلامي البحريني “الشيخ عبد الله الدقاق” وهو مدير الحوزة العلمية البحرانية في قم المقدسة، والذي ركز على دعوة المسلمين للمّ الشمل ووحدة الصف ورأب الصدع ونبذ الخلافات التي تقود الامة الى الضعف والهوان امام اعدائها.
وقد تطرق الشيخ الدقاق في هذا الحوار الى جملة من المحاور التي تلامس واقع الأمة الإسلامية وتحدياتها الراهنة، وأثر مواقف الإمام الشهيد الخامنئي (رض) في مواجهة الاستكبار العالمي وتماسك الأمة؛ مبينا أن “الإنسان يُعرف بمواقفه لا بأقواله، فكثير من الناس يعطون كلاماً معسولاً، لكن في الساحة والميدان تكون مواقفهم بخلاف ذلك. إلا أن الإمام الشهيد أثبت بجدارة مواقفه العملية، إذ جمع بين السنة والشيعة، بل جميع الأحرار في العالم، ووقف شوكة في عين أمريكا وإسرائيل والاستكبار العالمي، لذلك الاعداء لم يجدوا مناصاً إلا بقتله، ولو تمكنوا من حرفه أو إغرائه لقدموا ذلك، لكن لم يتمكنوا حتى آخر لحظة وآخر رمق من حياته المباركة”.
واستدل العالم البحريني بمقولات شهيرة للامام الشهيد (رض)، ومنها “أنا لا اسير على نهج أبي الفضل العباس”، و”مثلي لا يبايع مثل يزيد” مستلهما سماحته من قول ابي الاحرار الامام الحسين (عليه السلام). ورأى أن الإمام الخامنئي (رض) وطّن نفسه على خدمة هذا الدين، وأن يسير على نهج الحسين بن علي وأخيه أبي الفضل العباس حتى الشهادة والسعادة. فهو نموذج عملي وحيّ يقتدي به جميع المسلمين، بل جميع الأحرار في العالم. وكانت دائماً مواقفه تشير إلى الوحدة الإسلامية بين أبناء السنة وأبناء الشيعة، ورسم لهم خطة عملية وبرنامجاً عملياً لاستعادة حقوقهم والوقوف ضد كيد الأعداء ومن ينهب ثروات العالم الإسلامي.
وفي جانب من هذا الحوار تطرق الشيخ الدقاق الى التطورات الاخيرة التي حدثت على الصعيدين الدولي والاقليمي بما في ذلك التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، والوضع الراهن الذي يمر به الشعب البحريني من ضغوطات كثيرة اثر سياسات النظام الحاكم.
واشار، في السياق ذاته، الى الحرب الاجرامية الصهيو امريكية الاخيرة ضد الجمهورية الاسلامية، وبيّن أن كل حرب لها خسائر وضرائب يجب أن تُدفع، ومن نتائج وضرائب الحرب المفروضة على ايران وجود ضغط كبير على الشيعة في البحرين. إذ أقدم نظام آل خليفة على اعتقال واحد وأربعين من كبار علماء البحرين، ثم اتهم أحد عشر عالماً في الخارج، وعلى رأسهم زعيم شيعة البحرين سماحة آية الله المجاهد الشيخ عيسى أحمد قاسم، ثم بعد ذلك اعتقل خمسة عشر عالم دين و”رادوداً” في البلاد، ومنع اقامة مجالس العزاء والشعائر الدينية، ثم حلّ الأوقاف الجعفرية، وجمعية التوعية الإسلامية، ومنع السفر إلى إيران والعراق.
واكد هذا الباحث والعالم الاسلامي على انه رغم كل هذه الضغوط والتحديات الا أن شعب البحرين، ولله الحمد، تجاوز هذه الخطوات الانفعالية، وقد أصبح اليوم فعّالاً لا انفعالياً، تلقّى هذه الضربات بردة فعل هادئة، لكنه كسر قرار منع السفر إلى العراق وسافر لزيارة الأربعين، وكسر قرار منع شعب البحرين من الخروج في مراسم العزاء الحسينية وخرجوا بقوة. وشدد على أن هذا حقهم الديني وهذا حقهم المذهبي.
ووجه الشيخ الدقاق دعوة ونصيحة الى النظام الحاكم في البحرين، بان يلتزم الهدوء والتعقل، محذراً من أن الانفعال والتشدد عاقبته ليست حسنة؛ واصفا الشعب البحريني أنه “بحاجة إلى من يأخذ بيده ويرقيه، ولا يحتاج إلى من يواجهه، فإن المواجهة تكسر المواجه وتُسقط هيبته”.
وتابع مذكّرا بأن “كل نظام واجه شعبه سقط؛ صدام حينما قمع الشعب العراقي سقط، ومعمر القذافي حينما ضرب شعبه بالصواريخ سقط، وعلي عبد الله صالح حينما واجه الشعب اليمني سقط”.
وخلص الدقاق في هذا الشان الى، أن “الحاكم العاقل والحكيم هو الذي يحتوي شعبه، وأما الحاكم الذي يواجه شعبه فمصيره إلى الزوال وإلى مزابل التاريخ السياسي”.
وعن التماسك بين الشعب السني والشيعي في البحرين وكيفية الاستفادة منه لمواجهة الظلم، لفت هذا العالم البحريني إلى وجود تعايش سلمي في البحرين، حيث الزيجات العائلية، السني يأخذ الشيعية والشيعي يأخذ السنية. وبعض أهل السنة في البحرين يحضر مراسم العزاء والمآتم والحسينيات؛ مؤكدا بانه حينما قامت ثورة الرابع عشر من فبراير عام 2011 ميلادية، غذّت الحكومة البعد الطائفي وحصل تحسس في ذلك الوقت من بعض أبناء السنة، ولكن مع مرور الزمن اكتشفوا مكيدة النظام، والآن في ظل هذه الأحداث أصبح الشيعي والسني يفهم أن هذه مآرب ومصالح خاصة للنظام في البحرين في تأجيج البعد الطائفي، وأن طائفتي السنة والشيعة ينبغي أن تتحدا لنيل حقوقهما المشروعة في البحرين.
وعلى صعيد اخر، تحدث رئيس الحوزة العلمية البحرانية في قمة المقدسة (جنوب طهران)، عن الأسباب التي حذر منها القائد الشهيد للثورة الاسامية الامام الخامنئي (رض) والتي تؤدي الى تفكيك الأمة، ودور الاستعمار والعدو الصهيو-أمريكي في إثارة النزاعات بين المسلمين؛ مذكرا بقاعدة “فرّق تسد” والتي كان الاستعمار البريطاني يستعين بها لتنفيذ مخططاته والحصول على مآربه، ومؤكدا بان الصهاينة لا يزالون يعملون بها.
واضاف، أن الإمام القائد الخامنئي (قدس الله نفسه الزكية) كان مفاد كلامه أن “سرّ قوتكم في وحدتكم وضعفكم في تفرقكم”. وأن الدول الإسلامية التي باتت ضعيفة بتفرقها، وهي تحوي حوالي ملياري مسلم، لو اتحدت لأصبحت شوكة في وجه الأعداء؛ مستشهدا بما كان يقوله الإمام الخميني (قدس سره) ايضا “عندنا أكثر من مليار مسلم، لو كان كل فرد من المسلمين حمل سطل ماء ورماه على إسرائيل لغرقت”.
الدقاق، شدّد على أن الإمام الخامنئي (رض) كان يركز على أن الوحدة الإسلامية خيار استراتيجي وليست خياراً تكتيكياً؛ مبينا ان الوحدة ليست خطوة مرحلية تقتضيها المصلحة والتكتيك، بل الإسلام العظيم، انطلاقا من أصوله الكبيرة، يدعو إلى الوحدة بين اتباعه فهي خط استراتيجي في كل زمان ومكان لا تُرفع اليد عنه.
وعن الرسالة التي حملها المشاركون في المؤتمر الدولي الـ 40 للوحدة الاسلامية، ركّز الداعية الاسلامي البحريني، على دعوة ألامة للتمسك والعناية بتوحيد الله عز وجل، أن الوحدة بين المسلمين ضرورية جداً، وهذه الوحدة تأتي بعد توحيد الله عز وجل.
وأضاف: نحن مطالبون بتوحيد الكلمة لرفع الظلم عن جميع المستضعفين في العالم، وإن لم يكونوا مسلمين، فكيف بالمسلمين؟! نحن مأمورون بمواجهة الاستكبار العالمي وقطع الأيدي الظالمة والاتحاد لرفع الاستضعاف عن هذه الأمة.
وفي ختام هذا الحوار سلط الشيخ الدقاق الضوء على دور المؤسسات الدينية والحوزات العلمية في نشر ثقافة الوحدة داخل المجتمع؛ مشيرا الى رواية عن النبي الاكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ [صنفان من أمتي إن صلحا صلحت أمتي، وإن فسدا فسدت أمتي، العلماء والحكام]، موضحا أن المؤسسات الدينية والاجتماعية تغذي العلماء والحكام، وأنه إذا كان هذا الحاكم عقليته وحدوية سيعمل على لمّ شمل الأمة، لكن اذا كانت عقليته إقصائية وفتنوية سيمزق الأمة.
واكمل: هكذا علماء الدين، إذا كان فكرهم وحدوياً سيوحدون صفوف الأمة، وإذا كان عندهم أفق ضيق وتشدد مذهبي بحيث يلغي ويقصي الآخر ويذله، فإننا سنعيش في تنزل؛ الحوزات العلمية والمؤسسات الإسلامية من شأنها أن تخرّج علماء وحدويين، وأن ترشد الحكام الوحدويين، فإذا بُنيت حوزاتنا ومؤسساتنا على فكر الوحدة الإسلامية، فإن الأمة إن شاء الله ستصل إلى بر الأمان.





