الرد على شبهة شائعة: لماذا يقول القرآن «فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم»؟

الشبهات التي تُثار حول القرآن ليست، في الغالب، جديدة أو معقدة؛ فكثير منها لا يعدو كونه مجموعة من الإشكالات المتكررة التي تعود بين حين وآخر بصياغات مختلفة.

واللافت أن الإجابة عن معظم هذه الشبهات لا تحتاج دائماً إلى الرجوع إلى كتب التفسير المطوّلة، بل قد تكون موجودة في الصفحة نفسها من القرآن، قبل الآية المستشهد بها أو بعدها ببضعة أسطر؛ وكل ما يتطلبه الأمر هو قراءة النص كاملاً وفي سياقه.

 

هل يقول القرآن: اقتلوا كل كافر أينما وجدتموه؟

من الشبهات التي تُطرح أحياناً بشأن الإسلام والقرآن القول إن «القرآن يأمر صراحة بقتل الكفار والمشركين أينما وُجدوا، ومن ثم فإن الإسلام دين عنف».

وللإجابة عن هذه الشبهة، لا حاجة في البداية إلى الدخول في مباحث تاريخية وتفسيرية معقدة، بل يكفي القيام بخطوة بسيطة: قراءة الآية كاملة، وقراءة ما قبلها وما بعدها أيضاً.

فإذا اقتُطعت جملة من نص ما، ثم جرى الحكم على الكتاب بأكمله من خلالها، من دون النظر إلى مَن تتحدث عنه، وفي أي ظروف قيلت، وما الحدث الذي جاءت في سياقه، أمكن بهذه الطريقة إثارة الإشكال نفسه حول أي كتاب تقريباً.

ثلاث آيات تُثار حولها الشبهة

لنبدأ بـ الآية 91 من سورة النساء، حيث يقول تعالى:

(فَإِنْ لَمْ یَعْتَزِلُوکُمْ وَیُلْقُوا إِلَیْکُمُ السَّلَمَ وَیَکُفُّوا أَیْدِیَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَیْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ)

أي: إذا لم يعتزلوكم، ولم يعرضوا عليكم السلم، ولم يكفّوا أيديهم عن الاعتداء، فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم.

واللافت هنا أن الجملة تتضمن ثلاثة قيود متتابعة، ولا تقدم حكماً مطلقاً:

«لَمْ یَعْتَزِلُوکُمْ»، أي لم يعتزلوكم؛
و«یُلْقُوا إِلَیْکُمُ السَّلَمَ»، أي لم يعرضوا عليكم السلم؛
و
«یَکُفُّوا أَیْدِیَهُمْ»، أي لم يكفّوا أيديهم عن الاعتداء.

وعليه، فإن الحكم الوارد في ختام الآية يرتبط باجتماع هذه الظروف. فإذا اعتزل الشخص القتال، أو عرض الصلح، أو كفّ يده عن الحرب، لم يعد داخلاً في الحالة التي تتناولها الآية.

وبالتالي، فالكلام هنا لا يدور حول إنسان مسالم لا يشارك في القتال، وإنما عن طرف لا يزال في حالة حرب واعتداء، بحيث يعرّض عدم مواجهته حياة المسلمين وأموالهم وأعراضهم للخطر.

ومن هنا، فإن حذف هذه القيود الثلاثة والاكتفاء بنقل الجزء الأخير من الآية هو ما يخلق الصورة التي تقوم عليها هذه الشبهة.

آية سورة البقرة وسياق القتال

ومن الآيات التي يُستشهد بها أيضاً بعيداً عن سياقها الآية 191 من سورة البقرة:

(وَاقْتُلُوهُمْ حَیْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَیْثُ أَخْرَجُوکُمْ)

أي اقتلوهم حيث وجدتموهم، وأخرجوهم من المكان الذي أخرجوكم منه.

غير أن فهم الآية بصورة صحيحة يتطلب قراءة الآية السابقة لها أيضاً. ففي الآية 190 يقول القرآن:

وَ قَاتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ الَّذِینَ یُقَاتِلُونَکُمْ وَلَا تَعْتَدُوا؛

أي قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا.

فالآية تحدد، قبل الحديث عن القتال، نطاقه بوضوح:

«الَّذِینَ یُقَاتِلُونَکُمْ»؛

أي الذين يقاتلونكم.

وفضلاً عن ذلك، يضع القرآن، في سياق الآيات نفسها، قيداً حتى على القتال في المسجد الحرام، فينهى المسلمين عن البدء بالقتال فيه ما لم يبدأ الطرف الآخر بالقتال.

وهذا يعني أن القرآن يضع حدوداً وقيوداً واضحة حتى في سياق الأحكام المتعلقة بالحرب.

ومن ثم، فإن مناط الحكم ليس كون الشخص كافراً أو مشركاً في حد ذاته، بل كونه طرفاً معتدياً يخوض قتالاً ضد المسلمين.

ماذا عن آية «السيف» في سورة التوبة؟

لعل أشهر آية يجري تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي للطعن في الإسلام هي الآية 5 من سورة التوبة:

(فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِکِینَ حَیْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ کُلَّ مَرْصَدٍ)

أي: عندما تنقضي الأشهر الحرم، فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم، وحاصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد.

لكن هذه الآية تمثل خاتمة سياق سابق، وليست بداية قصة مستقلة.

فمنذ مطلع سورة التوبة يدور الحديث عن جماعات من المشركين عقدوا عهوداً مع المسلمين ثم نقضوها مراراً.

وفي الآية 13 من السورة نفسها يقول تعالى:

أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَکَثُوا أَیْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوکُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛

أي: ألا تقاتلون قوماً نقضوا عهودهم، وهمّوا بإخراج الرسول، وكانوا هم الذين بدأوكم بالقتال أول مرة؟

إذن، نحن أمام سياق محدد من نقض العهود والبدء بالقتال، لا أمام حكم متعلق بمجرد اختلاف العقيدة.

غير أن ما يُنقل عادة هو النصف الأول فقط من الآية الخامسة، بينما لا تنتهي الآية عند هذا الحد، بل تتابع:

فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّکَاةَ فَخَلُّوا سَبِیلَهُمْ؛

أي إذا تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فاتركوا لهم سبيلهم.

فالآية نفسها تتضمن مخرجاً يوقف القتال، وحذف هذا الجزء يؤدي إلى تقديم صورة مبتورة عن النص.

ويأتي الدليل الأوضح، بحسب المقال، في الآية التالية:

وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِکِینَ اسْتَجَارَکَ فَأَجِرْهُ حَتَّیٰ یَسْمَعَ کَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ

أي: إذا طلب منك أحد هؤلاء المشركين الأمان، فأمّنه حتى يسمع كلام الله، ثم أوصله إلى مكان يأمن فيه.

ويمكن ملاحظة ثلاث مراحل متتالية هنا: منحه الأمان، وإتاحة فرصة الاستماع له، ثم إيصاله بأمان إلى مأمنه.

وبعبارة أخرى، فحتى من كان بالأمس ضمن طرف ناقض للعهد، إذا توقف اليوم عن القتال وطلب الأمان، يصبح على المسلمين تأمين طريق آمن له.

القرآن يأمر بالإحسان إلى غير المسلم غير المحارب

إذا أُريد فهم نظرة القرآن إلى غير المسلمين، فلا يصح الاكتفاء بجمع آيات القتال وانتزاعها من سياقها، بل ينبغي النظر إلى الخطاب القرآني في مجمله.

وتقدم الآية 8 من سورة الممتحنة معياراً واضحاً في هذا الشأن:

(لَا یَنْهَاکُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِینَ لَمْ یُقَاتِلُوکُمْ فِی الدِّینِ وَلَمْ یُخْرِجُوکُمْ مِنْ دِیَارِکُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَیْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ الْمُقْسِطِینَ)؛

أي إن الله لا ينهاكم عن الإحسان والعدل مع الذين لم يقاتلوكم بسبب الدين، ولم يخرجوكم من دياركم؛ فالله يحب المقسطين.

والجدير بالانتباه أن القرآن لا يقول فقط: تعاملوا معهم بالتسامح، وإنما يقول:

«أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَیْهِمْ»

أي أن يكون التعامل معهم قائماً على البر والعدل.

وهذه ليست سوى واحدة من عشرات الشبهات التي يجري تداولها يومياً في مواقع التواصل الاجتماعي.

فقد يكفي أن يقتطع شخص جزءاً من آية من سياقها، ثم يضعه في مقطع لا يتجاوز بضع ثوان، لكي يُقدَّم النص بصورة مغايرة لمعناه في سياقه الكامل، وربما يهتز إيمان بعض المتلقين بمجرد مشاهدة ذلك المقطع، مع أن قراءة النص كاملاً والتأمل فيه لبضع دقائق قد تكشف موضع الخلل في الاستدلال.

غير أن المسألة الأهم من الإجابة عن هذه الشبهة بعينها هي الطريقة التي ينبغي التعامل بها مع هذا النوع من الإشكالات عموماً.

فالطريق الذي سلكه الأنبياء وأهل البيت وأولياء الله في تبليغ هذا الدين كان حافلاً بالمعاناة والجهاد، وأقل ما يمكن للإنسان أن يفعله هو ألا يبني فهمه لدينه على مقاطع مجتزأة ومتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي، بل أن يتعامل مع كتاب الله بدقة وصبر، وأن يبحث عن سياق النص ومعناه قبل إصدار الأحكام.

ولعل ذلك يمنح الإنسان، حين يقف يوماً بين يدي الله ويُسأل عما فعله لدينه، جواباً يستطيع أن يقدمه.

 

* ترجمة الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: هل الزواج الناجح والفاشل سببه الحظّ؟
الإجابة عن شبهة روائية؛ هل مرض الطفل كفّارة عن ذنوب الوالدين؟
أحكام رمضان | مقدار وجنس كفارة تأخير الصوم
س. ما مدى صحَّة ما يُروى من أنَّ السَّيِّدة زينب (عليها السلام) لمَّا رأت رأس الحسين (عليه السلام) ضربت رأسها بمقدَّم المحمل حتَّى نزف الدَّم من تحت برقعِها، وهل يصحُّ الاستدلال بهذه الرواية على حكمٍ شرعيّ؟
من العبادة إلى بناء الإنسان الإلهي.. ما الغاية التربوية للإسلام؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل