لماذا لا يستند خطاب السلام الأمريكي إلى أساس فقهي أو عقلاني؟

في الوقت الذي تجمع فيه واشنطن بين تصعيد الضغوط، وفرض العقوبات، والاغتيالات، وبين الحديث عن الحوار، يحاول البعض الاستناد إلى بعض الآيات القرآنية لتبرير التفاوض معها. غير أن المنظومة المعرفية للقرآن الكريم ترسم حدوداً واضحة بين «السلام القائم على العزة والكرامة» وبين «خداع العدو الناقض للعهود» الذي يتخذ من السلام فرصة لإعادة ترتيب صفوفه وإضعاف خصمه.

وفي خضم الحرب المعرفية والصراعات المعقدة على المستويين الإقليمي والدولي، أصبح «تحريف المفاهيم الدينية» و«القراءة الانتقائية للآيات القرآنية» من الأدوات التي تُستخدم لدفع المجتمعات نحو التردد والانفعال والتراجع عن مبادئ العزة الوطنية. إن الفهم العميق لهذه الحقيقة يحول دون الوقوع في سراب الدبلوماسية المنافقة التي تخفي اليد الحديدية خلف شعارات الحوار.

 

السؤال:

عندما يقول القرآن إنه إذا مال العدو إلى السلام فعليكم أن تميلوا إليه أيضاً، فلماذا لا نقبل طلب الولايات المتحدة للحوار والسلام؟

الجواب:

في زمن لم يزل فيه دخان البارود يتصاعد من ساحات المواجهة، ولم تجف دماء ضحايا الاعتداءات بعد، فإن الحديث عن السلام مع طرف يواصل التهديد والقتل، وفي الوقت نفسه يتحدث عن المفاوضات، قد لا يكون دليلاً على العقلانية بقدر ما يكشف عن سوء فهم لطبيعة العدو أو تفريط بالمصالح الوطنية.

السلام كلمة مقدسة، لكن ليس كل تراجع أو اتفاق يمكن أن يُسمّى سلاماً؛ فقد يرتدي أحياناً ما يبدو ثوب السلام، بينما لا يكون في حقيقته سوى استسلام لإرادة الطرف الآخر.

وفي مثل هذه الظروف، يستشهد البعض بالآية الكريمة:

«وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلَم فَاجْنَحْ لَهَا»

أي: إذا مالوا إلى السلم فمل إليها.

لكن السؤال الحقيقي هنا هو: هل مالت الولايات المتحدة فعلاً إلى السلام؟

وهل يكفي مجرد استخدام كلمة «التفاوض» دليلاً على الرغبة في السلام، حتى مع استمرار العقوبات والتهديدات والاغتيالات والإجراءات العسكرية في الوقت نفسه؟

إن القرآن لم يقل: إذا تحدث العدو عن السلام فاقبلوا عرضه، بل قال: إذا مال إلى السلام.

فقوله تعالى:

«جَنَحُوا لِلسَّلْم»

يشير إلى إرادة حقيقية لإنهاء حالة العداء، وهي إرادة ينبغي أن تظهر آثارها في سلوك الطرف الآخر.

فلا يمكن أن يمدّ طرف يداً للمفاوضات بينما يخفي في اليد الأخرى خنجراً، ثم يأتي من يجعل آية السلام غطاءً قرآنياً لقبول مثل هذا السلوك.

السلام في القرآن ليس استسلاماً

ومن المفارقات أن القرآن نفسه الذي يتحدث عن قبول السلام الحقيقي، يحذر أيضاً بقوله:

«فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَی السَّلْم وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ»

أي لا تضعفوا ولا تدعوا إلى السلم وأنتم أصحاب الغلبة.

وعليه، لا يمكن فصل آية واحدة من المنظومة القرآنية وإهمال سائر الآيات؛ فالسلام في المنطق القرآني هو سلام يقوم على العزة والاقتدار، وليس سلاماً يُفرض تحت ضغط التهديد والإكراه ثم يُسمّى اتفاقاً.

تجربة التعامل مع الولايات المتحدة

أما فيما يتعلق بالولايات المتحدة، فالمسألة ـ بحسب المقال ـ لا ترتبط بمجرد سوء ظن أو موقف تاريخي، بل بتجربة متراكمة.

فمن أحداث مثل انقلاب 28 مرداد (19 ⁄ 8 ⁄ 1953)، ودعم صدام خلال الحرب المفروضة، مروراً بالعقوبات الواسعة واغتيال العلماء الإيرانيين، وصولاً إلى الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي، يتكرر ـ وفق هذا الطرح ـ نمط واحد مفاده أن ربط أمن أمة ومصالحها بوعود قوة قد تنقض التزاماتها عندما تتعارض مع مصالحها، يحمل مخاطر كبيرة.

ويشير المقال إلى الاتفاق النووي باعتباره اختباراً واضحاً؛ إذ قبلت إيران ـ بحسب النص ـ بالتزامات معينة، لكن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق لاحقاً وشددت الضغوط.

والأهم من ذلك أن القرآن نفسه تحدث عن نقض العهود، حيث يقول:

«وَإِنْ نَکَثُوا أَیْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ …»

فكما ورد في القرآن:

«وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ»

ورد أيضاً:

«وَإِنْ نَکَثُوا أَیْمَانَهُمْ»

ولا يمكن قراءة الآية الأولى وإغلاق العين عن الآية الثانية، أو عن تجارب متكررة من نقض العهود.

السلام يحتاج إلى طرف يحترم العهد

يرى المقال أن الإشكال الأساسي في التعامل مع الولايات المتحدة يتمثل في أن نقض العهود في سياستها تجاه إيران ـ بحسب طرحه ـ ليس حادثة عابرة، بل نمطاً متكرراً.

فالطرف الذي يحترم العهد فقط عندما ينسجم مع مصالحه، لا يمكن اعتباره شريكاً موثوقاً لتحقيق سلام مستدام.

ومن هنا، فإن الحديث عن السلام مع مثل هذه القوة، ما دام منطق الضغط والتهديد ونقض العهود يحكم سلوكها، يشبه التعويل على سراب خطير.

فالسلام يحتاج إلى طرف يعتبر العهد عهداً، لا فرصة لإضعاف الخصم والاستعداد لجولة مواجهة جديدة.

ولهذا يجب قراءة القرآن كاملاً؛ قراءة:

«وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ»

كما تُقرأ:

«وَإِنْ نَکَثُوا أَیْمَانَهُمْ»

فالسلام في المنطق القرآني ليس اسماً محترماً للاستسلام أمام طرف ناقض للعهد.

للمشاركة:

روابط ذات صلة

هل سیخلق الله تعالى خلقاً جدیداً وإنساناً آخر بعد فناء هذا العالم ویکون له قیامة وبعث ونشور أیضا؟
لماذا ولاية الفقيه فردية وليست شورى؟
السؤال/ سبب خروج الإمام الحسين عليه السلام؟
ورد فی دعاء القنوت «رب السموات السبع و رب الأرضین السبع» فی حین ورد لفظ «الأرض» مفرداً فی جمیع آیات القرآن الکریم.
هل نحاسب على أفكارنا السّيّئة؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل