إذا كان الله رحيماً، فلماذا يوصف في القرآن بـ«الجبّار» و«الماكر» و«الضار»؟

عندما نواجه في القرآن تعابير مثل «الجبّار» و«المكر» و«الضرر» في وصف الله تعالى، قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى معنى مختلف عما نعرفه عن الله الرحيم؛ لكن هل يتوافق هذا الانطباع الأول فعلاً مع المعنى الحقيقي لهذه التعابير في القرآن؟

 

لماذا وردت في القرآن بعض التعابير عن الله تعالى التي قد تبدو، للوهلة الأولى، منافية لصفات الكمال والرحمة الإلهية؟

قد يسألك أحدهم يوماً: «أنت تقول إن إلهك رحيم وعادل، فلماذا يصفه القرآن بكلمات مثل الجبّار والمكر والضار؟ أليست هذه صفات حسنة؟»

السؤال في حد ذاته ليس سيئاً. لكن الإجابة تبدأ من ملاحظة صغيرة ومهمة: المشكلة أحياناً لا تكون في الكلمة نفسها، وإنما في المعنى الذي ألصقناه بها اليوم من دون الرجوع إلى القرآن.

كل لغة تضم كلمات تتغير دلالاتها مع مرور الزمن. فإذا أسقطنا المعنى المتداول اليوم على عصر نزول القرآن، أو نسبناه إلى الله تعالى من دون تمييز، فمن الطبيعي أن نصل إلى تناقض. لكن هذا التناقض نكون نحن من صنعناه؛ فالقرآن لم يقل به.

الجبّار: المتسلّط أم المصلح؟

لنجعل القرآن نفسه حكماً في هذه المسألة. يقول تعالى في سورة الحشر: «هُوَ اللَّهُ … الْعَزِیزُ الْجَبَّارُ الْمُتَکَبِّرُ».

والآن، لنفترض أن «الجبّار» يعني المعنى الذي يتبادر إلى أذهاننا: كائناً متسلطاً وظالماً. ضعوا هذا المعنى إلى جانب «القدوس» (المنزّه عن كل عيب)، و«السلام» (مصدر السلامة والأمان)، و«المؤمن» (الذي يمنح الأمان)، فلن يستقيم الأمر إطلاقاً. فالآية الواحدة لا تتحدث عن نفسها بهذا القدر من التناقض.

النقطة المهمة هنا هي أن جذر «جبر» في العربية لا يعني التسلّط وحده، فهو الجذر نفسه المستخدم في كلمة «جَبيرة»، وهي ما يُوضع على العظم المكسور حتى يلتئم. و«الجبر» يعني الإصلاح والترميم وإعادة الشيء المتضرر إلى حاله.

وعليه، فإن كون الله «جبّاراً» يعني أنه بقدرته المطلقة يجبر الكسور ويصلح ما تضرر، ولا تستطيع أي قوة أن تقف في وجه إرادته؛ وليس المقصود أنه يمارس التسلّط والظلم.

وهنا تكمن النقطة الجميلة: ما يجعل «الجبروت» صفة قبيحة في الإنسان هو إساءة استخدام القوة لسحق الآخرين. أما في حق الله، فلا تنفصل القدرة عن الحكمة والعدل؛ لأنه لم يكتسب قوة ثم يقرر بعد ذلك أن يسيء استخدامها أو لا يسيء، بل إن قدرته عين كماله.

«المكر الإلهي»: هل يخدع الله؟

هنا تبدو الشبهة أكثر تعقيداً. يقول القرآن: «وَ مَکَرُوا وَ مَکَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَیْرُ الْمَاکِرِینَ».

فهل «المكر» هو نفسه الحيلة والخداع؟

لكي ندرك الفرق، لنتخيل هذا المشهد: شخص يخطط لإيذاء إنسان بريء. فيكتشف ذلك الإنسان خطته ويجد وسيلة لإفشالها. هل نسميه «مخادعاً»؟ بالتأكيد لا؛ لأن هدفه لم يكن الظلم، وإنما منع الظلم.

قد يبدو الفعلان متشابهين من الخارج، فكلاهما يقوم على «تدبير خفي»، لكنهما يختلفان أخلاقياً اختلافاً كبيراً، لأن النية والغاية مختلفتان تماماً.

ومن اللافت أن الإمام الرضا(ع) سُئل أيضاً عن هذا الموضوع تحديداً: لماذا ينسب المكر والخداع والاستهزاء إلى الله تعالى؟ فأوضح أن الله لا يتصف بالمكر والخداع بالمعنى الإنساني لهذه الكلمات، وإنما يردّ جزاء تدابيرهم الباطلة إليهم.

ولهذا يستخدم القرآن حتى تعبير «المكر السيئ» في حق الظالمين، فيقول: «وَلَا یَحِیقُ الْمَکْرُ السَّیِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ».

فالمكر السيئ لا يحيق في النهاية إلا بصاحبه. ومكر الله ليس من جنس هذا المكر السيئ، بل هو على النقيض منه.

الضار: إله يُلحق الضرر؟

قد يكون هذا التعبير أثقلها وقعاً. فـ«الضار» يعني الذي يُلحق الضرر. وعندما نضع هذه الكلمة إلى جانب الله، قد تتشكل في أذهاننا فوراً صورة قوة تُلحق الأذى بالناس بلا سبب، بدافع الغضب أو الانتقام. فإذا كان الأمر كذلك، فأين رحمته؟

لكن لنبدأ من القرآن نفسه، لا من التصور الذي يتشكل في أذهاننا.

يقول تعالى في آية يخاطب فيها النبي: «قُلْ لَا أَمْلِکُ لِنَفْسِی نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ».

أي قل: إنني لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرّاً إلا ما شاء الله.

ما معنى ذلك؟

إن الآية تقرر حقيقة أكبر، وهي أن أي موجود في هذا العالم، سواء كان نبياً أو صنماً أو نجماً أو تميمة، لا يملك بذاته قدرة مستقلة على جلب النفع أو إلحاق الضرر، بل إن جميع هذه القدرات تعود في نهاية المطاف إلى إرادة الله تعالى.

وعليه، فعندما يوصف الله تعالى بأنه «ضارّ»، فليس المعنى أنه، كإنسان حاقد، ينتظر فرصة لإلحاق الأذى بالآخرين. وإنما المعنى أنه المالك المطلق للنظام السببي في العالم؛ ذلك النظام الذي فيه تحرق النار، ويُضعف المرض، ويعلّم الفشل الإنسان دروساً.

ولا يحدث شيء من ذلك مستقلاً عن إرادة الله وحكمته. فحتى عندما تحرق النار شخصاً، ليست النار هي التي «قررت» إحراقه، وإنما هو قانون أودعه الله في العالم ويجري وفقه.

وهنا توجد نقطة دقيقة لا ينبغي تجاوزها: هناك فرق كبير بين «إلحاق الضرر بدافع الظلم» وبين «وجود الضرر ضمن نظام قائم على الحكمة».

فالقاضي الذي يعاقب شخصاً بسبب جريمة ارتكبها لا يكون ظالماً، حتى لو كانت العقوبة مؤلمة بالنسبة إلى المتهم؛ لأن هذا الألم يأتي في إطار نظام من العدالة، وليس بدافع الحقد الشخصي.

فإذا قارنّا ذلك بالله الذي يحيط علمه بجميع العواقب، أدركنا لماذا لا يمكن أن تكون الأضرار التي يقدّرها من جنس الظلم.

واللافت أن «الضار» يُذكر في الثقافة الدينية دائماً إلى جانب «النافع»؛ أي إن إلحاق الضرر وجلب النفع يشكلان طرفين متلازمين. وهذه الثنائية تحمل دلالة واضحة: فالله ليس مصدر النفع وحده ولا مصدر الضرر وحده، بل هو المالك لكلا طرفي هذه المعادلة.

ومن يملك النظام بأكمله ويرى جميع أبعاده، فإن وضعه للضرر في موضع معين يكون دائماً في خدمة نفع أكبر أو عدالة لازمة؛ وهو نفع وعدالة قد لا نستطيع، بسبب محدودية رؤيتنا، أن ندركهما.

لذلك، عندما يتحدث القرآن أو الروايات عن كون الله «ضارّاً»، فإن المقصود هو أن أي حدث، وأي أذى، وأي ضرر في هذا العالم لا يقع خارج قدرة الله وحكمته.

 

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

كيف يمكن التوفيق بين الحجاب وآية «لَا إِکْرَاهَ فِی الدِّینِ»؟
ما مدى أهمية العلاقات الاجتماعية في القرآن الكريم؟
السؤال: هل الطّبيب يتوفّى شهيداً؟ بما أنّه ينقذ أرواح البشر ومع ذلك فإنّه يأخذ أجرته، وسمعت من قَبل أنّ الطّبيب ذو مكانة عالية عند الله وأعلى من مكانة الشّيخ المعممّ (طبعا إذا قلنا أنّهم يتساوون بالتّقوى والإيمان) فما مدى صحّة هذا الكلام؟ أرجو إخباري المزيد عن نظرة الشّرع بالطّبيب.
من أي منظور يعالج الإسلام "المسائل الاقتصادية"؟
لماذا قام الإمام الخميني بالثورة؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل