هل رضي الله تعالى بتأثير السحر والشعوذة؟

قد يتساءل كثيرون: إذا كانت جميع القوى بيد الله تعالى، وكان الله لا يرضى بإيذاء عباده، فكيف يستطيع بعض كتّاب الطلاسم والأدعية، بمساعدة الجن، إلحاق الأذى بالآخرين؟ وهي مسألة تحتاج إلى بحث دقيق في العلاقة بين قدرة الإنسان والجن والإرادة الإلهية.

 

يُعدّ السحر والشعوذة من الموضوعات التي طالما أثيرت حول تأثيرها في حياة الإنسان تساؤلات وإشكالات، ولا سيما ما يتعلق بصلتها بالجن وقدرتها على إلحاق الأذى بالآخرين.

العلاقة بين قدرة الله تعالى وتأثير المشعوذين وكتّاب الطلاسم بمساعدة الجن

للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي التمييز بين أمرين: «إذن الله» و«رضا الله»؛ فهما ليسا شيئاً واحداً.

فكثير من الأحداث التي تقع في العالم لا تكون موضع رضا الله تعالى، لكنه منح الإنسان حرية الاختيار، وأذن له بأن يفعل الخير أو الشر ضمن الحدود التي جعلها لهذا العالم.

فعلى سبيل المثال، منح الله الإنسان القدرة على الكلام، لكن الإنسان يستطيع بهذه القدرة أن يتهم شخصاً بالباطل أو يجرح مشاعر إنسان آخر. فهل يرضى الله بالافتراء وإيذاء الآخرين؟ بالتأكيد لا؛ لكنه، لكي يكون الإنسان كائناً مختاراً، لم يسلبه القدرة على الاختيار والفعل.

وفي ما يتعلق بالسحر وما شابه من الأضرار، فقد أشار القرآن إلى أصل تأثير السحر في بعض الحالات، وفي الوقت نفسه أوضح أمراً بالغ الأهمية. ففي الحديث عن الذين كانوا يستخدمون السحر لإيذاء الآخرين، يقول تعالى:

«وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ»؛ أي إنهم لا يستطيعون أن يضروا به أحداً إلا بإذن الله. (البقرة/102)

لكن هذا «الإذن» لا يعني رضا الله تعالى عن عمل الساحر، بل يعني أن لا موجود في العالم يمتلك قدرة مستقلة وخارجة عن نطاق القدرة الإلهية. فالساحر والجن والإنسان والمرض والسم، وحتى الأسباب الطبيعية، لا يملك أي منها قدرة مستقلة في مواجهة الله تعالى. وإذا ظهر أثر لأي منها، فإن ذلك يحدث في نهاية المطاف ضمن النظام الذي وضعه الله لهذا العالم.

فعلى سبيل المثال، النار تحرق، لكنها ليست إله العالم. فقد جعل الله فيها خاصية الإحراق، لكن ذلك لا يعني أن الله يرضى بكل حريق. فلو تعمد شخص إحراق منزل إنسان آخر، فلا نقول: بما أن الله أذن للنار بأن تؤثر، إذن فقد رضي الله بفعل ذلك الشخص!

وقد منح الله الإنسان حرية الاختيار أيضاً، لكن حرية الاختيار لا تعني امتلاك قدرة غير محدودة. فقد يستخدم شخص هذه الحرية في ممارسة السحر، أو الاستعانة بالجن، أو إيذاء الآخرين، لكنه يبقى مسؤولاً عن اختياره، والله تعالى لا يرضى بهذا العمل.

وعليه، فلا كتّاب الطلاسم والأدعية ولا الجن يمتلكون قدرة مستقلة عن الله تعالى، كما أن إلحاقهم الضرر بالآخرين لا يقع خارج الإرادة والقدرة الإلهية؛ تماماً كما أن وجود السرقة في العالم لا يعني أن الله تعالى يرضى بالسرقة.

وينبغي أن نعلم أيضاً أن الله تعالى لم يترك الإنسان من دون حماية في مواجهة هذه الأضرار؛ فقد بيّن القرآن والروايات سبل الوقاية منها.

فالتوجه إلى الله، والمداومة على الأذكار والأدعية المأثورة، ومنها قراءة سورتي الفلق والناس، إلى جانب كثير من الأعمال والأدعية الأخرى، يمكن أن يكون سبباً في إبعاد الإنسان عن آثار وأضرار هذه الموجودات والأشخاص الأشرار.

ولذلك، ينبغي للمؤمن، بدلاً من الوقوع في الخوف، أن يتوكل على الله، وأن يعلم أن لا قوة مستقلة عن إرادته تستطيع أن تلحق به الضرر.

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: أحدُ الإشكالات التي تُثار ضدّ النظام هو موضوع «ولاية الفقيه المطلقة». والإشكال المطروح هو أنّ ولاية الفقيه المطلقة تُعَدّ نوعاً من الاستبداد. يُرجى توضيح هذا الأمر.
السؤال: لماذا لا يمنع الله بعض الظلم والجرائم التي يرتكبها الإنسان؟
أحكام شرعية | وقت إخراج زكاة الفطرة
الأحكام الشرعيّة | دفع الكفّارة إلى الأقارب المحتاجين
السٶال: ما هو تفسير قول الإمام الرضا "عليه السلام" لمّا سُئل عن المشيئة، قال -: المشيئة : الاهتمام بالشيء، والإرادة: اتمام ذلك الشيء ؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل