اصدر رئيس العلماء المسلمين والمفتي العام الأسبق في البوسنة، الشيخ الدكتور مصطفى إبراهيم تيسيرتش، بيان احتجاج، على إهانة الطالبات والمعلمات المحجبات في جمهورية أذربيجان وحرمانهم من دخول المدارس؛ مؤكدا على ان ” العار يلحق بسلطة تنسى مسؤوليتها أمام حجاب طفلة”.
واضاف المفتي البوسني الاسبق: من العار أن يُقال لفتاة جاءت تطلب العلم إنها غير مرغوب فيها بسبب حجابها. والأشد عاراً أن تُقدَّم هذه الإهانة باعتبارها إجراءً تربوياً. أما العار الأكبر فهو أن يُنتظَر من الفتاة المُهانة أن تقتنع بأن كل ذلك إنما يُفعَل لمصلحتها.
وافادت وكالة انباء التقريب (تنـا) انها تلقت نسخة من البيان الصادر عن رئيس العلماء المسلمين في البوسنة ومفتيها الاسبق، احتجاجا على حظر الحجاب في مدارس اذربيجان، والذي جاء كالاتي: –
احتجاجا على إهانة الطالبات والمعلمات المحجبات في أذربيجان
ببالغ الاستنكار، وبأشد عبارات الإدانة الأخلاقية، أرفع صوتي احتجاجاً على حرمان الطالبات والمعلمات في أذربيجان من دخول المدارس بسبب ارتدائهن الحجاب. إن التقارير التي تتحدث عن فتيات يُتركن خارج بوابات المدارس، ومعلمات يُطالَبن بخلع حجابهن، تمثل إهانة للكرامة الإنسانية ولرسالة التعليم ذاتها.
ليس لأي سلطة حق أخلاقي في أن تضع طفلة أمام هذا الخيار المهين: إما أن تتخلي عن التعبير عن هويتك الدينية، وإما أن تتخلي عن مقعدك الدراسي!
أيّ حرص على التعليم هذا الذي يغلق أبواب المدرسة في وجه فتاة؟ وأيّ دفاع عن الحرية هذا الذي يُكره المرأة على نزع ما اختارت ارتداءه بإرادتها؟ وأيّ ثقة بالعلم هذه التي تقيس قدرة الطالبة وكرامة المعلمة بغطاء رأسها؟
أقول لسلطات أذربيجان: الهوية في العقل، لا فيما يُوضَع على الرأس!
إنها تعيش في الوعي والضمير والذاكرة والقناعة. وقد يكون الحجاب تعبيراً ظاهراً عنها، لكن الهوية لا تزول بإزالة مظهر من مظاهرها. تستطيعون فرض زيّ موحد، لكنكم لا تستطيعون فرض ضمير موحد. تستطيعون إيقاف فتاة عند عتبة المدرسة، لكنكم لا تثبتون بذلك أنكم على حق. إنما تثبتون أنكم تملكون سلطة تستخدمونها ضد من هي أقل قدرة على حماية نفسها منكم.
وأرى في ذلك واحداً من أسوأ أشكال الجبن السياسي: استعراض القوة أمام طفلة تريد أن تتعلم.
ينبغي لعلمانية الدولة أن تضمن فضاءً مشتركاً لا يُضطر فيه أحد إلى إخفاء إيمانه كي يكون مواطناً متساوياً مع غيره. وحين تتحول العلمانية إلى مطالبة المؤمن بأن يمحو حضوره الديني من المجال العام، فإنها تفقد مبررها القائم على الحرية، وتصبح أداة للإكراه.
يمكن أن تكون المدرسة علمانية، وأن تكون الطالبة التي تتعلم فيها مسلمة. ويمكن أن يكون المنهج الدراسي مشتركاً، وأن تختلف ضمائر الطلاب وقناعاتهم. وبقدرة الدولة على قبول هذه الحقيقة يتجلى نضجها.
ومن أشد مظاهر الهزيمة إثارة للأسى عقليةُ التبعية والخضوع التي تحاول إثبات تقدميتها المزعومة بالتضييق على الإسلام وإهانة المسلمات. وأسميها عقلية خضوع لأنها تسعى إلى تحويل الإنسان الحر إلى تابع مطيع، لا يُسمَح له بالتعليم إلا بشرط إخضاع ضميره لإرادة السلطة.
إن التقدم يُقاس بالعلم والعدل والحرية وكرامة المواطنين. والدولة التي تتباهى بحداثتها، بينما تُبقي الفتيات أمام أبواب المدارس المغلقة، تكشف بنفسها عمق هزيمتها الأخلاقية.
من العار أن يُقال لفتاة جاءت تطلب العلم إنها غير مرغوب فيها بسبب حجابها. والأشد عاراً أن تُقدَّم هذه الإهانة باعتبارها إجراءً تربوياً. أما العار الأكبر فهو أن يُنتظَر من الفتاة المُهانة أن تقتنع بأن كل ذلك إنما يُفعَل لمصلحتها.
إنني أدافع عن حق المرأة في ارتداء الحجاب بالقدر نفسه من الحزم الذي أدافع به عن حقها في عدم ارتدائه. فلا الأسرة، ولا المجتمع، ولا الدولة، يحق لأيّ منها أن يجعل ضميرها ملكاً له. فالحرية تقتضي الاختيار، والاختيار يفقد حريته حين يُنتزَع بالتهديد بالحرمان من التعليم أو من مصدر الرزق.
إن إدانتي موجهة إلى قرار السلطات وممارساتها. أما الشعب الأذربيجاني الشقيق، فأبعث إليه باحترامي وتضامني، ولا سيما الطالبات والمعلمات وكل من يدافع سلمياً عن الحق في التعليم وحرية الاعتقاد.
أدعو سلطات أذربيجان إلى أن ترفع فوراً القيود التي تحرم الطالبات والمعلمات من دخول المدارس بسبب الحجاب، وأن تتيح لهن العودة إلى التعلم والتعليم دون عوائق، وأن تقدم ضمانات واضحة بألا يتعرض أحد لأي إجراءات انتقامية بسبب دفاعه السلمي عن هذه الحقوق.
كما أدعو الهيئات الدينية والمؤسسات التعليمية ومنظمات حقوق الإنسان إلى إعلان موقف واضح وثابت. إن كرامة المرأة المسلمة تستحق الحماية نفسها التي تستحقها كرامة أي امرأة أخرى. ولا يجوز أن يتوقف حق فتاة في التعليم على رضا أصحاب السلطة عن مظهرها.
وبوصفي مسلماً بوسنياً، وإنساناً يعرف مدى الألم حين تتحول هوية المرء إلى ذريعة لإقصائه، لا أستطيع قبول الصمت أمام هذا الإذلال.
افتحوا أبواب المدارس. أعيدوا للفتيات مقاعدهن، وللمعلمات فصولهن، وللتعليم كرامته.
فالعار يلحق بسلطة تنسى مسؤوليتها أمام حجاب طفلة.
الدكتور مصطفى إبراهيم تيسيرتش/
رئيس العلماء والمفتي العام الأسبق في البوسنة





