لماذا يركّز الشيطان على المؤمنين؟ وما حدود قدرته عليهم؟

إن مواجهة أمواج الوساوس العاتية في طريق العبودية لطالما أثارت تساؤلات حول فلسفة الهجوم المركّز للشيطان. وتكشف كلمة الإمام الباقر (ع) لزرارة، التي تحدّث فيها عن تركيز إبليس على المؤمنين، أبعادًا غير معلنة من طبيعة المواجهة بين الحق والباطل.

إن تركيز الشيطان على المؤمنين نابع من قيمة الإيمان، ومن أن أهل الضلال قد سقطوا فيه أصلًا؛ ولذلك فإن هذه الوساوس ليست سوى أداته، بل يمكن أن تكون فرصة لابتلاء المؤمنين وارتقائهم.

السؤال:

هل من العدل أن يكون الشيطان، وفقًا لهذه الرواية:

«یَا زُرَارَهُ إِنَّهُ إِنَّمَا صَمَدَ لَکَ وَلِأَصْحَابِکَ فَأَمَّا الْآخَرُونَ فَقَدْ فَرَغَ مِنْهُمْ»

(الروضة من الكافي؛ ج 8، ص 145)،

مركّزًا فقط على المؤمنين وأهل الهداية، فيسعى إلى إضلالهم عن طريق الحق، بينما لا يهتم بالآخرين؟

الجواب:

تُعدّ كيفية مواجهة الشيطان للإنسان من الأسئلة المهمة التي تثير التحدي في طريق العبودية. فعندما نتأمل رواية الإمام الباقر عليه السلام الموجّهة إلى زرارة، والتي يقول فيها إن إبليس يوجّه جميع تركيزه وهجماته نحوكم أنتم المؤمنين، وأنه قد فرغ من الآخرين، يبرز سؤال أساسي في ذهن القارئ:

«لماذا ينبغي لأتباع طريق الحق أن يكونوا هدفًا لأشد الوساوس والهجمات الشيطانية، في حين يبدو أن أهل الضلال متروكون لحالهم؟»

وفي هذا البحث، سنبيّن من خلال تحليل دقيق لألفاظ هذا الحديث ودراسة أبعاد المواجهة بين الحق والباطل، سبب تركيز هجمات الشيطان على أهل الإيمان.

النقطة الأولى: التركيز على الأهداف التي لم تُفتح

لفهم الرواية، ينبغي الالتفات إلى كلمتين أساسيتين هما «صَمَدَ» و«فَرَغَ».

فكلمة «صَمَدَ» في اللغة العربية تعني القصد بكل القوة، والتوجه المباشر، والتركيز الشديد على هدف معين. (1)

أما «فَرَغَ» ـ أي فرغ من الشيء ـ فلا تعني تركه وعدم الاكتراث به، بل تعني «إتمام مشروع» أو «تجاوز مرحلة». (2)

يقول الإمام الباقر عليه السلام لزرارة:

«یَا زُرَارَةُ إِنَّهُ إِنَّمَا صَمَدَ لَکَ وَ لِأَصْحَابِکَ فَأَمَّا الْآخَرُونَ فَقَدْ فَرَغَ مِنْهُم». (3)

أي إنما يقصد الشيطان إليك وإلى أصحابك، وأما الآخرون فقد فرغ منهم.

وتعبّر هذه الرواية عن مبدأ عقلي وعسكري في معركة الحق والباطل.

فإذا كان جيش قد فتح مدينةً ما، فلن تكون هناك حاجة إلى توجيه آلياته الحربية وقواته النخبة للهجوم على تلك المدينة مرة أخرى؛ بل سيوجّه كامل قوته الهجومية نحو القلاع التي لم يتمكن بعد من فتحها، والتي لا تزال تقاومه.

وقلب المؤمن يشبه القلعة التي لم يتمكن الشيطان من احتلالها بعد. (4) ومن الطبيعي، بناءً على ذلك، أن يكون قصد الشيطان وهجومه المركّز متجهًا نحو المؤمنين.

النقطة الثانية: أولويات الشيطان

الشيطان، بوصفه عدوًا لدودًا أقسم على إغواء الإنسان، يسعى إلى سرقة ثروته المعنوية.

وكما أن اللص لا يهاجم بيتًا متهدمًا خاليًا من الأموال الثمينة، وإنما يترصد البيت الذي توجد فيه الذهب والجواهر، فإن الشيطان أيضًا يتجه إلى أولئك الذين يحملون جوهر الإيمان في قلوبهم.

أما الذين انحرفوا عن طريق الحق، فقد فقدوا في الواقع رأس مال «الإيمان والهداية». وهؤلاء هم «الغاوون» الذين أخبر الله تعالى الشيطان أن سلطانه إنما يكون على من يتبعه بنفسه. (5)

فالشيطان قد حصل على هؤلاء من دون عناء، ومن دون حاجة إلى إنفاق طاقته الأساسية عليهم؛ لأنهم يسيرون أصلًا في طريق الباطل، ولم يعد لديهم جوهر يحتاج إلى حمايته.

أما المؤمنون والصالحون، فهم يحملون كنزًا عظيمًا اسمه «المعرفة والولاية والإيمان»، ولذلك يوجّه الشيطان اهتمامه ووساوسه بصورة أكبر نحوهم من أجل إخراج هذا الرصيد من أيديهم.

ومن هنا، فإن تركيز الشيطان على المؤمنين ليس ظلمًا، بل هو دليل على القيمة العالية لمقام المؤمن.

النقطة الثالثة: الانتقال من الإضلال إلى التثبيت والاستغلال

هناك نقطة أساسية جدًا تمثل محور فهم هذه الرواية، وهي أن «فراغ الشيطان من الآخرين» لا يعني أنه تركهم بصورة مطلقة.

فقد انتهت مهمة الشيطان مع أهل الضلال في مرحلة «إحداث الانحراف»؛ لأنهم أصبحوا منحرفين، ولم يعد بحاجة إلى الوساوس الأولية التي كان يحتاج إليها لإضلالهم.

لكن الشيطان لديه برامج أخرى وثانوية تجاههم.

يقول الله تعالى في سورة «المجادلة»:

«اسْتَحْوَذَ عَلَیْهِمُ الشَّیْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِکْرَ اللَّهِ أُولَئِکَ حِزْبُ الشَّیْطَانِ …» (6)

فعندما يصبح الإنسان عضوًا في حزب الشيطان ويستمر في الضلال، ينتقل الشيطان معه من مرحلة مجرد الوسوسة إلى مرحلة «القيادة».

ومن هنا يستخدم هؤلاء الضالين بوصفهم أدوات، ومشاةً، و«شياطين الإنس». (7)

وعليه، فإن الحديث عن «فراغ الشيطان من أهل الضلال» لا يعني توقف عمله تجاههم بصورة كاملة؛ وإنما يعني أنه لم يعد بحاجة إلى بذل الجهد الأولي لإحداث انحرافهم، فيوجّه تركيزه إلى تثبيت ضلالهم ومنعهم من التوبة.

فيشغلهم بالدنيا، ويزيّن لهم أعمالهم القبيحة، (8) ويستخدمهم للهجوم على المؤمنين. (9)

لكنه لم يعد بحاجة إلى بذل الجهد والضغط الأوليين اللذين كان يحتاج إليهما لإضلالهم.

النقطة الرابعة: كمين الشيطان

هذه الرواية هي بالضبط تفسير وترجمة للآيات القرآنية المتعلقة بقسم الشيطان.

فبعد أن طُرد الشيطان من رحمة الله، أقسم قائلًا:

«قَالَ فَبِمَا أَغْوَیْتَنِی لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَکَ الْمُسْتَقِیمَ» (10)

والنقطة الدقيقة في الآية هي أن الشيطان ينصب كمينه على «الصراط المستقيم»، وليس في صحارى الضلال؛ لأن هدفه هو منع الناس من الوصول إلى هذا الطريق بالذات.

أما من يسير في طريق الفساد والظلم والكفر، فهو في الحقيقة قد وقع أسيرًا لهذا الكمين، ويسلك طرقًا متفرقة نهى القرآن عن اتباعها:

«… وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِکُمْ عَنْ سَبِیلِهِ» (11)

وقد ورد في الروايات أن على كل واحد من هذه الطرق شيطانًا يدعو إليه. (12)

أما المؤمنون والصالحون الذين يسيرون في «الصراط المستقيم» في الولاية والطاعة، فقد دخلوا تحديدًا إلى منطقة كمين الشيطان.

ولهذا السبب، يكون تعرضهم للعوائق والوساوس والسهام المسمومة للشيطان أكبر بكثير من غيرهم. (13)

وتؤكد هذه الآيات الكريمة، بأوضح صورة ممكنة، كلام الإمام الباقر عليه السلام، الذي يبيّن أن الهدف الأساسي للشيطان وقصده هو المؤمنون الموجودون على الصراط المستقيم.

النقطة الخامسة: محدودية قدرة الشيطان الذاتية أمام المؤمنين

هناك نقطة أساسية ومهمة جدًا تضيف عمقًا إلى هذا البحث الكلامي والمعرفي، وهي الالتفات إلى «محدودية قدرة الشيطان» رغم تركيز هجماته.

فعلى الرغم من أن الشيطان يوجّه كامل طاقته نحو المؤمنين، فإن الله تعالى يصرّح في القرآن الكريم بأن إبليس لا يملك أي سلطة قهرية على المؤمنين:

«إِنَّهُ لَیْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَی الَّذِینَ آمَنُوا وَعَلَی رَبِّهِمْ یَتَوَکَّلُونَ» (14)

وفي المباحث الكلامية والفلسفية المرتبطة بالجبر والاختيار، فإن قدرة الشيطان على الوسوسة لا تتجاوز «الدعوة» و«التزيين» ـ أي تزيين الباطل ـ ولا تصل أبدًا إلى حد السيطرة التكوينية وسلب الاختيار.

كما أن الشيطان نفسه يعترف بذلك بوضوح يوم القيامة، فيقول:

«وَمَا کَانَ لِیَ عَلَیْکُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُکُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ …» (15)

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الشيطان قد «فرغ» من أولئك الذين قبلوا ولايته بسوء اختيارهم؛ لأن القرآن يقول إن سلطانه إنما يكون على الذين اتخذوه وليًا لهم:

«إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَی الَّذِینَ یَتَوَلَّوْنَهُ …» (16)

أما في مواجهة مؤمنين أمثال زرارة، فعلى الرغم من كل الضغوط والهجمات الشديدة، يبقى إبليس في النهاية عدوًا خارج القلعة؛ وما لم يفتح المؤمن باب القلعة بنفسه، فلن يستطيع الشيطان اختراق ذاته وجوهر إيمانه والسيطرة عليه.

ويصف أمير المؤمنين عليه السلام نفوذ الشيطان بأنه لا يكون إلا في وجود «أتباع الباطل» الذين اتخذوه وليًا لهم، حتى:

«… فَبَاضَ وَ فَرَّخَ فِی صُدُورِهِمْ وَ دَبَّ وَ دَرَجَ فِی حُجُورِهِمْ» (17)

وهذا يدل على أن منظومة الدفاع المتمثلة في التوكل واللجوء إلى الولاية الإلهية أشد تماسكًا من الآلة الحربية للشيطان.

كما أن رسم هذه الصورة يمنح الإنسان، إلى جانب اليقظة، الشجاعة والأمل في طريق تزكية النفس.

النتيجة

إن تركيز هجمات الشيطان على المؤمنين ليس ظلمًا، بل هو أمر منطقي ونابع من القيمة الرفيعة لجوهر الإيمان.

فإبليس ينفق كامل طاقته في محاولة فتح القلاع التي لم يتمكن من احتلالها، وسرقة الرصيد المعنوي الموجود على «الصراط المستقيم».

أما «فراغه» من أهل الضلال فلا يعني أنه تركهم، بل يدل على سقوطهم إلى مرحلة العبودية له وتحولهم إلى مشاة في جيشه.

ومن جهة أخرى، فإن قدرة الشيطان محدودة بالوسوسة، ولا يستطيع أبدًا كسر الحصن المتين للتوكل والولاية الإلهية.

وبذلك تصبح هذه المواجهة ساحة لابتلاء المؤمنين ورفع درجاتهم، وامتحانًا للسالكين في طريق الحق.

 

 


الهوامش

1. محمد بن مكرم ابن منظور؛ لسان العرب؛ بيروت: دار صادر، 1414هـ، ج 3، ص 258.

2. فخر الدين بن محمد الطريحي؛ مجمع البحرين؛ تصحيح: أحمد الحسيني الأشکوري؛ طهران: المرتضوي، 1375هـ.ش، ج 5، ص 15.

3. محمد بن يعقوب الكليني؛ الكافي؛ تصحيح: علي أكبر الغفاري ومحمد آخوندي؛ طهران: دار الكتب الإسلامية، 1407هـ، ج 8، ص 145.

4. راجع: محمد تقي مصباح اليزدي؛ الأخلاق في القرآن؛ تحقيق: محمد حسين إسكندري؛ قم: منشورات مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية، 1401هـ.ش، ج 1، ص 224 ـ 235.

5. «إِنَّ عِبَادِی لَیْسَ لَکَ عَلَیْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَکَ مِنَ الْغَاوِینَ»؛ الحجر: 42.

6. المجادلة: 19.

7. «… شَیَاطِینَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ یُوحِی بَعْضُهُمْ إِلَی بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا»؛ الأنعام: 112.

8. «قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَیْتَنِی لَأُزَیِّنَنَّ لَهُمْ فِی الْأَرْضِ وَلَأُغْوِیَنَّهُمْ أَجْمَعِینَ»؛ الحجر: 39.

9. «وَأَجْلِبْ عَلَیْهِمْ بِخَیْلِکَ وَرَجِلِکَ …»؛ الإسراء: 64.

10. الأعراف: 16.

11. الأنعام: 153.

12. «خطّ لنا رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله یوما خطّا، و خطّه لنا عاصم – فقال: هذا سبیل اللّه، ثمّ خطّ خطوطا عن یمین الخطّ، و عن شماله فقال: هذه السّبل، و هذه سبل علی کلّ سبیل منها شیطان یدعو إلیه، ثمّ تلّا هذه الآیة …»؛ أحمد بن علي النسائي؛ تفسير النسائي؛ بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية، 1410هـ، ج 1، ص 485.

13. «إِنَّ الشَّیَاطِینَ عَلَی الْمُؤْمِنِینَ أَکْثَرُ مِنَ الزَّنَابِیرِ عَلَی اللَّحْم …»؛ محمد بن محمد الشيخ المفيد؛ الاختصاص؛ قم: المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، 1413هـ، ص 30.

14. النحل: 99.

15. إبراهيم: 22.

16. النحل: 100.

17. الشريف الرضي؛ نهج البلاغة؛ تصحيح: صبحي صالح؛ طهران: دار الكتب العلمية، 1375هـ.ش.

* ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: ما هو حكم هذا الحديث في الصّحّة: لا يشدّ الرّحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى والمسجد النّبوي؟
الردّ بالمثل في القرآن: هل يشمل استهداف المدنيين؟
حجة الإسلام والمسلمین فلاح‌زاده يجيب: ما هو واجب المقلدين بعد استشهاد الإمام الخامنئي؟
إشراق العبودية؛ في أيّ سنٍّ نُحبب الصغار في الصلاة؟
لماذا ولاية الفقيه فردية وليست شورى؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل