القيادة الربانية من منظور القرآن

بقلم الكاتب والباحث اللبناني في الدراسات الاسلامية “السيد بلال وهبي”

قال الله تعالى في القرآن الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴿سورة النساء: 59﴾.

طاعة الله وطاعة من أوجب الله طاعته، ركنان أصيلان من أركان الإيمان، فإن معرفة الإنسان أن الله هو خالقه ومالكه ومدبّر أمره، وأنه المتفضل عليه بالنعم، والعالم بما ينفعه وما يضره، تقتضي طاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

إن الأمر بالطاعة ليس تفصيلًا ثانويًا في الآية، بل يبيّن أن الإيمان يقتضي الالتزام العملي بأوامر الله، وطاعة من أوجب الله طاعته ضمن ما ثبت له من ولاية. فلو كانت طاعة الولي غير ملزمة، لبقيت ولايته بلا أثر عملي في توجيه المجتمع، ولأصبح اتباعه خاضعًا لرغبات الأفراد، يأخذون من توجيهاته ما يوافق أهواءهم ويتركون ما يخالفها.

إن طاعة أولي الأمر من منظور مدرسة أهل البيت (ع)، ناشئة من جعل الله وحجية من نصّبهم للقيام بهذه المسؤولية. وفي تفسير الأمر بالطاعة على نحو مطلق، تظهر أهمية العصمة في الولاية الخاصة؛ إذ لا يستقيم أن يُؤمر المؤمن بطاعة مطلقة لشخص يمكن أن يأمره بالباطل أو يوجّهه إلى مخالفة أمر الله.

كذلك لا يكتمل الإيمان بمجرد أن يعرف الإنسان الحق، بل يحتاج أيضًا إلى مرجعية تقوده إلى تطبيقه، وتحفظ للمجتمع وحدته، وتوجّه حركته في مواجهة القضايا والخلافات، وهذه حاجة يقرّ بأصلها العقل والتجربة الاجتماعية، وإن اختلفت الرؤى في طبيعة القيادة المطلوبة وحدود صلاحياتها. وذلك أن الهداية تحتاج إلى قيادة تحفظ اتجاهها، وتوجّه تطبيقها، وتوحِّد جهود أبناء المجتمع، وتعالج الخلافات بينهم، وتحدّ من التناقض في مواقفهم، وتفصل بينهم فيما يختلفون فيه.

القيادة الربانية من منظور القرآن الكريم هي قيادة للمشروع الرباني. وعليه، فلا يعترف القرآن بولاية أحد لمجرد أنه صاحب نفوذ أو قوة، أو ولاية شخص وصل إلى موقع القيادة لأنه أقدر على فرض إرادته، فالقيادة التي تجب طاعتها بأمر إلهي ليست مجرد سلطة واقعية، فليس كل من امتلك الحكم أو سيطر على مقدرات المجتمع يصبح بذلك وليًّا واجب الطاعة بالمعنى الذي تقرره الآية. فالآية تربط الطاعة بولايةٍ ذات منشأ شرعي، لا بمجرد الغلبة أو امتلاك القوة.

إن الولي الذي يُرجع إليه في شؤون الدين والأمة يحتاج إلى صفات تتصل بعلمه ووعيه وعدله وتقواه، وبقدرته على فهم رسالة الله وقيادة الناس في ضوئها. فالولاية الخاصة التي يُستدل على وجوب طاعتها المطلقة، لا يكفي لإثباتها مجرد اختيار الناس شخصًا يرونه صالحًا، بل تحتاج إلى دليل على تعيين صاحبها من الله، فإن الناس لا يستطيعون، اعتمادًا على معرفتهم وحدها، الإحاطة بحقيقة ما في النفوس من صفات، ولا يضمنون أن يكون تقديرهم مطابقًا للواقع. ومن هنا تأتي ضرورة النص الإلهي في تعيين من تكون له الولاية الخاصة، فالله الذي يعلم السرائر هو الأعلم بمن يصلح لذلك.

ولذلك ترى مدرسة أهل البيت (ع) أن المقصود بأولي الأمر في الآية هم الأئمة المعصومون من أهل البيت (ع)، الذين ثبتت ولايتهم بالنصوص الواردة عن النبي (ص)، وبالأدلة التي يسوقها علماء الكلام.

إن استمرار الحاجة إلى القيادة والمرجعية بعد عصر حضور المعصوم يطرح سؤالًا عن الأساس الشرعي الذي تُحدَّد به صلاحيات القيادة في عصر الغيبة. غير أن إثبات أصل الحاجة لا يكفي وحده لإثبات جميع مراتب الولاية، بل لا بد من الرجوع إلى الأدلة التي تحدد نطاقها وشروطها، فثمّة ولاية خاصة لها دليلها وشروطها، وثمّة ولاية عامة تتحدَّد حدودها وصلاحياتها بالأدلة الشرعية.

وفي هذا الإطار، تقتضي الرؤية الإمامية التمييز بين الولاية الخاصة بالنص الإلهي، والولاية العامة التي تتحدد وفق الأحكام والضوابط الفقهية. وفي عصر غيبة الإمام المعصوم، يثبت للفقهاء الجامعين للشروط من الولاية ما تدل عليه الأدلة المعتبرة، في حدود النيابة والاختصاصات التي يثبتها الدليل، من غير أن يعني ذلك مساواتهم بالإمام المعصوم في مرتبته أو خصائصه.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل