كانت سورة الكوثر، وهي أقصر سور القرآن الكريم، ردًّا إلهيًّا على طعنات أعداء النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) واستهزائهم به؛ وهي سورةٌ حافلةٌ بالمعارف، تتجلّى فيها عظمة القرآن الكريم وإعجازه من خلال البشارة بإعطاء الكوثر للنبيّ (صلّى الله عليه وآله)، والتأكيد على التحقّق الحتميّ لهذا الوعد الإلهيّ.
وكالة أنباء الحوزة – في كلمةٍ ألقاها يوم السبت (24 أكتوبر 2026م) تناول حجّة الإسلام والمسلمين حميد ملكيّ، نائب مدير حوزة قم العلميّة، معارف سورة الكوثر المباركة والمكانة السامية للسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في القرآن الكريم.
بسم الله الرحمن الرحيم
تُعدّ سورة الكوثر المباركة من السور التي تختصّ بالسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وهي أقصر سور القرآن الكريم، بيد أنّها أغزرها مضمونًا وأعمقها دلالةً؛ وذلك لأنّ السيّدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) هي محور هذه السورة المباركة.
ويتّفق المفسّرون جميعًا، من الشيعة والسنّة، على سبب نزول هذه السورة، وإن كانت بينهم اختلافاتٌ جزئيّةٌ في بعض التفاصيل. وتعود خلفيّة نزولها إلى الطعنات التي كان يوجّهها عاص بن وائل وأمثاله إلى النبيّ العظيم (صلّى الله عليه وآله)، ممّن أضمروا له العداوة والبغضاء. ففقد النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ابنيه عبد الله وإبراهيم، فاستغلّ هؤلاء هذه الحادثة للنيل منه، وأخذوا يصفونه بأنّه “أبتر”، أي مقطوع الذرّيّة، لا عقب له ولا نسل يمتدّ من بعده، ولا من يخلفه ويواصل امتداد ذريّته.
فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه السورة تسليةً لقلب نبيّه العظيم (صلّى الله عليه وآله) ومواساةً له، فقال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:1].
وأوّل ما يُلفت النظر في هذه الآية هو استعمال ضمير المتكلّم الدالّ على الجمع، وهو “إِنَّا”، ويذهب المفسّرون إلى أنّ الله سبحانه وتعالى يستعمل هذا التعبير حين يكون الحديث عن أمرٍ عظيم الشأن.
ومن الناحية اللغويّة، ثمّة فرقٌ كبيرٌ بين التعبيرين “أَعْطَيْنَا” و”آتَيْنَا”. فالتعبير عن الفعل بلفظ “أعطينا” يختلف، من حيث الدلالة على عظمة العطيّة ومضمونها، عن التعبير عنه بلفظ “آتينا”. ومن ثمّ، فإنّ اختيار لفظ “أَعْطَيْنَا” في هذه الآية الكريمة يحمل في طيّاته دلالةً على عظمة هذه العطيّة الإلهيّة ورفعة شأنها.
ومن النقاط الأخرى أنّ الآية الكريمة جاءت بالتعبير “إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ”، وهذا التعبير يحمل دلالةً على مزيدٍ من العظمة، وكأنّ الله سبحانه وتعالى يقول: أنا وملائكتي، وجميع الأسباب والعوامل التي تعمل بأمري، قد منحناك هذه العطيّة. وما هذه العطيّة؟ إنّها الكوثر؛ لقد منحناك الكوثر لتكون هذه العطيّة الإلهيّة عزاءً لك، فلا تنال منك تلك الطعون الجارحة التي قد يكون وقعها في النفس أشدّ من وقع ضربات السيوف.
ومن النقاط الجديرة بالاهتمام أيضًا استخدام الفعل الماضي في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾؛ إذ عبّر الله سبحانه وتعالى بصيغة الماضي عن هذه العطيّة، فقال: “إنّا أعطيناك”، مع أنّ السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لم تكن قد وُلدت بعدُ في ذلك الوقت.
وذلك أنّه يُستعمل الفعل الماضي في القرآن الكريم أحيانًا للدلالة على حتميّة تحقّق أمرٍ في المستقبل ، كما في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: 1]؛ فالقيامة لم تقع بعد، ومع ذلك عبّر عنها القرآن الكريم بصيغة الماضي، للدلالة على أنّ وقوعها أمرٌ محتومٌ لا ريب فيه.
وعليه، فإنّ قول الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ بصيغة الماضي، يعني أنّ هذه العطيّة ستتحقّق حتمًا. ومن هنا، فإنّ أحد وجوه إعجاز هذه السورة يتمثّل في اشتمالها على خبرٍ غيبيٍّ؛ إذ بشّر الله سبحانه وتعالى نبيّه الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهذه العطيّة قبل تحقّقها، وقال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾، أي إنّا سنعطيك حتمًا. وما الذي سنعطيك؟ إنّه الكوثر.





