إن التصوير الزائف للتعارض بين العلم التجريبي والمعتقدات الإلهية كان ولا يزال أرضية لطرح شبهات متنوعة في الفضاء الافتراضي. ومن هذه الإشكالات، التعميم غير الصحيح لـ«قانون بقاء الطاقة» من كونه قاعدة فيزيائية إلى نفي مبدأ الوجود والقول باستقلال المادة بذاتها.
قانون بقاء الطاقة لا يعبّر إلا عن تحوّل حالات المادة، ولا يحكم بشأن المنشأ الوجودي للطاقة، كما أنه لا ينفي حاجة العالم إلى الله تعالى ولا يثبت أزلية الطاقة بالذات.
السؤال:
هل يدل قانون بقاء الطاقة على أن الطاقة أزلية ولا تحتاج إلى الله؟
الجواب:
من الشبهات الشائعة في التصوير الزائف للتعارض بين العلم والدين، إساءة استخدام القوانين الفيزيائية لنفي المبادئ الإلهية. ومن بين ذلك «قانون بقاء الطاقة»، الذي لا يعبّر إلا عن بقاء كمية الطاقة في العمليات المادية، وقد اتُّخذ أساسًا للقول: إذا كانت الطاقة لا تنشأ ولا تفنى، فهي إذن أزلية ولا تحتاج إلى الله.
وتقوم هذه الشبهة على الخلط بين حدود الفيزياء والميتافيزيقا، فتتعامل مع قانون تجريبي وكأنه يعادل الاستقلال الذاتي للمادة. ولكن هل إن بقاء مقدار الطاقة يثبت فعلًا استقلالها الوجودي عن واجب الوجود؟ فيما يلي نبحث هذه المسألة من خلال أربع نقاط دقيقة.
النقطة الأولى: بقاء الطاقة يتعلق بـ«التحول» لا بـ«النشأة»
ينص قانون بقاء الطاقة على أن مجموع الطاقة في نظام مغلق يبقى ثابتًا؛ أي إن الطاقة في العمليات الفيزيائية لا تنشأ من العدم ولا تفنى إلى العدم، وإنما تتحول من صورة إلى أخرى، مثل تحول الطاقة الكيميائية إلى طاقة حرارية وميكانيكية (1).
وموضوع هذا القانون هو العمليات الفيزيائية داخل نظام معين؛ فهو يقول إنه إذا حدثت عملية ما، فإن كمية الطاقة فيها تبقى محفوظة، لكنه لا يحكم بشأن متى وُجدت الطاقة نفسها، وكيف تحققت، أو هل لها بداية أم لا (2).
وبعبارة أدق، فهذا القانون عبارة عن قضية تتعلق ببقاء كمية الطاقة داخل عملية معينة، وليس قضية تتعلق بالمنشأ الوجودي للطاقة.
وهذا القانون يفترض مسبقًا وجود قوانين ونظام فيزيائي قائم، لكنه لا يفسر لماذا توجد الطاقة وهذه القوانين أصلًا (3).
وعليه، لا يمكن بأي حال من الأحوال استنتاج «الاستقلال الذاتي» للطاقة أو «أزليتها» من هذا القانون.
النقطة الثانية: بقاء الطاقة يتعلق بـ«البقاء الكمي» لا بـ«الاستقلال الوجودي»
إن بقاء الطاقة يتعلق فقط ببقاء مقدارها وكميتها، وليس باستقلالها الوجودي.
فهذا القانون لا يعدو كونه ميزانًا حسابيًا يقرر أن إجمالي مقدار الطاقة في إطار نظام مغلق يبقى ثابتًا (4)، أما كون هذه الطاقة مستقلة من الناحية الوجودية أو أنها تحتاج في حدوثها وبقائها إلى علة، فهي مسألة ميتافيزيقية لا يمكن استخلاصها من المعادلات والقوانين الفيزيائية (5).
وقد أوضحت الفلسفة الإسلامية أن كل موجود ممكن الوجود يحتاج إلى علة تمنحه الوجود، سواء في لحظة حدوثه أو في لحظة استمراره (6).
وقد نص القرآن الكريم أيضًا على افتقار جميع المخلوقات ذاتيًا ووجوديًا إلى الله تعالى (7).
ومن ثم، فإن ثبات مقدار كمية معينة لا ينفي اعتمادها الذاتي والوجودي على خالق وعلة موجدة وواجب الوجود.
النقطة الثالثة: بقاء الشيء لا يستلزم أزليته الزمنية
يتمثل النقد الثالث لهذا الادعاء في أن بقاء الطاقة لا يستلزم بأي وجه من الوجوه «أزليتها».
فكون كمية فيزيائية معينة بقيت محفوظة وثابتة خلال عملية ما، أو حتى على مدى مليارات السنين في العالم الذي نعرفه، لا يسمح منطقيًا باستنتاج أن هذه الظاهرة كانت موجودة منذ الأزل ومن دون أي بداية زمنية (8).
وهذا الاستنتاج المتعجل يتجاوز المعطيات التجريبية، ويحتاج إلى مقدمات واستدلالات فلسفية أو كونية مستقلة (9).
بل حتى في علم الكونيات الفيزيائي الحديث، توجد نظريات مثل «الانفجار العظيم» ترى أن للكون الفيزيائي، وللزمن والطاقة الموجودين فيه، نقطة بداية، وتقدم الزمن بوصفه بُعدًا من أبعاد هذا العالم المادي، بدأ مع بداية العالم نفسه (10).
وعليه، فإن الفيزياء لا تثبت أزلية الطاقة، بل إن كثيرًا من نماذجها المعيارية تضع لها حدودًا ونقاطًا ابتدائية.
النقطة الرابعة: الأزلية الزمنية لا تساوي الاستغناء الذاتي
حتى لو افترضنا أن الطاقة أزلية من الناحية الزمنية، وقديمة من حيث الزمن، فإن هذا الافتراض لا يعني بالضرورة استغناءها عن الله واجب الوجود.
ففي الفلسفة يوجد فرق دقيق بين «القديم الزماني» و«الاستغناء الذاتي».
فقد يكون شيء ما غير مسبوق ببداية زمنية، وموجودًا دائمًا في إطار الزمن، لكنه مع ذلك يكون من الناحية الذاتية والبنية الوجودية «ممكن الوجود»، ولم يستمد وجوده من ذاته، بل يكون في ذاته محتاجًا ومعتمدًا على علة مستغنية بذاتها (11).
وكما أنه لو افترضنا أن الشمس وأشعتها أزليتان، فإن شعاع الشمس سيظل في وجوده محتاجًا ومعتمدًا على ذات الشمس، فإن العالم المادي والطاقة، حتى على فرض أزليتهما الزمنية، يظلان من الممكنات المحتاجة في أصل تحقق وجودها إلى واجب الوجود (12).
ومن ثم، فإن كون الموجود قديمًا من الناحية الزمنية لا يتناقض بأي وجه مع حاجته الذاتية إلى الخالق، ولا يثبت استقلاله الوجودي واستغناءه عن الله.
وبعبارة أخرى، فإن الطاقة، حتى على فرض أزليتها الزمنية، موجود متغير ومتكثر، ذو أجزاء وشروط، ودائم التحول، ولا يمكن أن تكون بحال من الأحوال هي واجب الوجود البسيط الثابت المستغني بذاته استغناءً مطلقًا (13).
النتيجة:
إن قانون بقاء الطاقة ليس إلا قانونًا معتبرًا ضمن نطاق وصف التغيرات الفيزيائية في العالم المادي.
فهذا القانون لا ينفي منشأ وجود العالم، ولا يثبت الاستقلال الوجودي للمادة، ولا يقدم دليلًا على أن عمر العالم لا نهائي، وحتى على فرض أزلية المادة، لا يمكنه أن يجعلها مستغنية في ذاتها عن علة موجدة.
والاستناد إلى هذا القانون لنفي وجود الله يمثل تجاوزًا لحدود العلم التجريبي ودخولًا متسرعًا في مجال الميتافيزيقا.
الهوامش:
1. David Halliday, Robert Resnick, and Jearl Walker. Fundamentals of Physics. الطبعة العاشرة. Hoboken, NJ: Wiley, 2014، ص 195–196.
2. Feynman, Richard P., Robert B. Leighton, and Matthew Sands. The Feynman Lectures on Physics. المجلد الأول. Reading, MA: Addison-Wesley, 1963، ص 4-1–4-2.
3. Paul Davies. The Mind of God: The Scientific Basis for a Rational World. New York: Simon & Schuster, 1992، ص 25.
4. Raymond A. Serway and John W. Jewett. Physics for Scientists and Engineers. الطبعة التاسعة. Boston, MA: Brooks/Cole, 2014، ص 218–219.
5. Sean Carroll. Spacetime and Geometry: An Introduction to General Relativity. San Francisco: Addison-Wesley, 2004، ص 168.
6. راجع: السيد محمد حسين الطباطبائي؛ بداية الحكمة؛ قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1414هـ، ص 51–52.
7. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: 15).
8. محمد تقي مصباح اليزدي؛ آموزش فلسفه؛ طهران: منظمة الإعلام الإسلامي، 1384هـ ش، ج2، ص 310–312. مرتضى مطهري؛ توحيد؛ طهران: انتشارات صدرا، 1445هـ ق، ص 143–145.
9. راجع: محمد بن عمر فخر الرازي؛ المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات؛ قم: انتشارات بيدار، 1411هـ، ج1، ص 133–137.
10. Stephen Hawking. A Brief History of Time: From the Big Bang to Black Holes. New York: Bantam Books, 1988، ص 116؛ Weinberg, Steven. The First Three Minutes: A Modern View of the Origin of the Universe. الطبعة الثانية. New York: Basic Books, 1993، ص 110.
11. راجع: حسين بن عبد الله ابن سينا؛ الإشارات والتنبيهات؛ شرح خواجه نصير الدين الطوسي؛ قم: نشر البلاغة، 1375هـ ش، ج3، ص 11–20.
* ترجمة مركز الإسلام الأصيل