اكد رئيس مؤسسة جماعة علماء العراق الشيخ الدكتور خالد الملا على ان “دماء الأبرياء التي تُسفك هنا وهناك، واستهداف دور العبادة والأمن، تصرخ فينا بأن الأمن نعمة باهظة التكلفة ، وأن الغفلة عن جذور التطرف جريمة لا تُغتفر”.
جاء ذلك في مونة نشرها الشيخ الملا عبر حسابه بمنصة اكس للتواصل الاجتماعي، وذلك عقب الهجوم الارهابي الذي استهدف قبل ايام كنسية في مدينة الكرك الاردنية؛ واصفا هذا الهجوم بانه “لم يكن مجرد حدث أمني عابر يُطوى ببيانات الشجب والاستنكار، بل كان صفحة دامية جديدة في كتاب التحديات المستمرة التي تواجه استقرار المنطقة”.
وفيما يلي نص مدونة الشيخ خالد الملا:-
من الكرك إلى بغداد : كيف نحمي مجتمعاتنا من الفكر المتطرف؟
ما شهدته مدينة الكرك الأردنية من استهداف إرهابي غادر طال دور العبادة والأمن والمواطنين، لم يكن مجرد حدث أمني عابر يُطوى ببيانات الشجب والاستنكار، بل كان صفحة دامية جديدة في كتاب التحديات المستمرة التي تواجه استقرار المنطقة.
أن هذه الحوادث ، بكل ما تحملهُ من ألم ، تختبر صلابة المجتمعات ومدى قدرتها على تفكيك خيوط الفتنة، وفي مقدمة الدروس المستفادة من هذا المصاب يبرز الموقف الشرعي والوطني الحاسم الذي أعلنته التيارات والقوى ذات المرجعية الإسلامية ، عبر الإدانة المطلقة لجريمة استهداف الكنائس ودور العبادة ، والتأكيد الثابت على أن المسيحيين هم مكون أصيل ونسيج لا يتجزأ من الأمة ، وأن دماءهم وأعراضهم ومقدساتهم مصونة شرعاً وقانوناً ووطنياً.
لقد سقطت في هذا الاختبار كل محاولات الخلط بين العمل الدعوي والسياسي المنضبط بقواعد الاستقرار ، وبين الفكر التكفيري المنحرف الذي يقتات على إراقة الدماء وتوظيف الدين لتبرير التخريب غير أن قراءة المشهد بمعزل عن امتداده الإقليمي تبقى قراءة ناقصة ، فالعراق اليوم ، وهو يستلهم العبر من هذه النوازل ، يقف أمام مرآة تحذيرية شديدة الوضوح تفرض عليه اليقظة التامة.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه الساحة العراقية لا ينفصل عن شبح عودة التنظيمات الإرهابية أو محاولات إيقاظ الخلايا النائمة تحت العناوين المتطرفة ذاتها ، فالتجربة المريرة التي عاشها العراق علمتنا أن الجماعات التكفيرية لا تفرق في استهدافها بين مسجد وكنيسة ، ولا بين مكون وآخر، بل تستهدف استقرار الوطن بأسره ، ومن هنا، فإن التحذير من مغبة التهاون الفكري أو الأمني يعد واجباً شرعياً ووطنياً ملحاً.
إن حماية الجبهة الداخلية في العراق لا تقتصر على المعالجات الأمنية والعسكرية وحدها ، بل تتطلب مناعة مجتمعية شاملة ترتكز على عدة مسارات:
أولا : التحصين الفكري والتربوي في مواجهة الغلو والتطرف من جذورهما عبر خطاب ديني واعد ووسطي، يكرس قيم المواطنة المتساوية ، ويقفل الباب أمام أي محاولات لإعادة تدوير الفتنة الطائفية أو المذهبية.
ثانياً : التكاتف الوطني هو إدراك حقيقي بأن أي ثغرة أمنية أو فكريّة في أي جزء من الجسد الوطني تنعكس تداعياتها على الجميع ، مما يحتم توحيد الخطاب السياسي والديني في مواجهة قوى الإرهاب والتخريب .
ثالثاً : قطع دابر الاستقطاب من خلال حماية الشباب من شباك الاستقطاب التكفيرية التي تتربص بهم عبر المنصات أو الخلايا الخفية ، وجعل “الذات الوطنية” الحصن الأقوى في مواجهة العواصف.
إن دماء الأبرياء التي تُسفك هنا وهناك، واستهداف دور العبادة والأمن ، تصرخ فينا بأن الأمن نعمة باهظة التكلفة ، وأن الغفلة عن جذور التطرف جريمة لا تُغتفر ، إننا بحاجة اليوم ، أكثر من أي وقت مضى ، إلى وعي وطني عميق يستبق الأحداث ، ويغلق الأبواب أمام كل من يحاول العبث بالسلم الأهلي ، لتبقى أوطاننا مكسوة بالاستقرار، ومنيعةً ضد كل عواصف التخريب والفرقة.
الشيخ الدكتور خالد الملا
مؤسسة جماعة علماء العراق





