رسالة تحذيرية من آية الله الأراكي إلى قادة العراق: الخضوع للسياسات الأمريكية خروج عن الإيمان وتفريط بالاستقلال

رسالة تحذيرية من آية الله الأراكي إلى قادة العراق: الخضوع للسياسات الأمريكية خروج عن الإيمان وتفريط بالاستقلال

وجه آية الله محسن الأراكي رسالة تحذيرية إلى قادة العراق السياسيين حذّرهم فيها من أنّ الخضوع للسياسات الأمريكية خروج عن الإيمان وتفريط بالاستقلال، داعياً إياهم إلى التمسّك بخيار الإيمان والكون مع الصادقين.

أصدر آية الله الشيخ محسن الأراكي، عضو المجلس الأعلى للحوزات العلمية وعضو هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة، رسالة تحذيرية إلى قادة العراق السياسيين، حذّرهم فيها من مغبّة الخضوع للسياسات الأمريكية والركون إلى الظالم. وفيما يلي نصّ الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى قادة العراق السياسيين، هداهم الله تعالى إلى صراطه المستقيم:

إنّ العراق العزيز والمنطقة كلّها تمرّ بمنعطف تاريخيّ خطير، لا يجوز فيه التغافل، ولا التجاهل، ولا التسامح، ولا التساهل؛ لأنّه يشكّل الأساس لمستقبل العراق والمنطقة كلّها.

هناك أسس وقواعد شرعية وعقلية بيّنة، لا تجوز الغفلة عنها ولا تجاوزها، وهي كالتالي:

القاعدة الشرعية الأولى: قوله تعالى: «وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ» (سورة هود/ ١١٢–١١٣). ولا شكّ أنّ الخضوع للسياسات الأمريكية وإطاعتها طغيان وركون إلى الظالم، ولا ينتج منها إلّا السقوط في النار، ثمّ فقدان النصرة الإلهية، وشقاء الدنيا قبل عذاب الآخرة.

القاعدة الشرعية الثانية: قوله تعالى: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرينَ عَلَى الْمُؤْمِنينَ سَبيلاً» (سورة النساء/ ١٤١). وهذا الاستسلام الذليل الذي نجده اليوم لدى بعض السياسيين العراقيين من أبرز مصاديق السبيل للكافرين على المؤمنين، وذلك يعني أنّ قبول هذا السبيل والخضوع له خروج عن دائرة الإيمان بلا شكّ أو ترديد.

القاعدة الشرعية الثالثة: قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارىٰ أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمينَ * فَتَرَى الَّذينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشىٰ أَنْ تُصيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلىٰ ما أَسَرُّوا في أَنْفُسِهِمْ نادِمينَ» (سورة المائدة/ ٥١–٥٢).

هذه قواعد شرعية واضحة تفصل بين خيارين: خيار الإيمان والكون مع الصادقين، وخيار الكفر والنفاق وهو خيار الكون مع الكافرين والمستكبرين. وأنتم اليوم بين هذين الخيارين اللذين لا ثالث لهما.

وأمّا القواعد العقلية الواضحة، فهي أيضاً قواعد بيّنة نشير إلى بعضها:

القاعدة العقلية الأولى: التحرّر عن هيمنة الظالم المستكبر أولى من الخضوع والاستسلام له، وأقلّ تكلفة منه، كما برهنت عليه تجارب كثيرة، وأوضحها تجربة السلطة الفلسطينية التي هي أمام أعينكم، وما تجربة صدّام عنكم بأمر بعيد.

القاعدة العقلية الثانية: الانقياد للعدوّ لا ينتج إلّا مزيداً من ظلم العدوّ وطغيانه. ومن الخطأ الواضح أن يظنّ ظانّ أنّ الانقياد للعدوّ يدفع شرّه، بل يزيده جرأة وتوحّشاً، كما أثبتته مئات التجارب البشرية في الماضي والحاضر.

القاعدة العقلية الثالثة: إنّ مصلحة كلّ شعب أن يكون هو صاحب القرار في ما يخصّ سياسته وإدارة بلده واقتصاده وثقافته وعلاقاته السياسية مع سائر الشعوب.

ولكنّ الموقف الذي نجده من بعض السياسيين في العراق يكشف عن خطأ كبير في فهم مصلحة الشعب العراقيّ؛ فقد سمعنا بعضهم يزعم أنّ مصلحة العراق في الخضوع للقرارات الأمريكية! فهل إنّ من مصلحة الشعب العراقيّ أن لا يملك خياره حتّى في تعيين رئيس حكومته، ولا في تعيين وزراء حكومته، بل ولا في تعيين المدراء الكبار؟ وهل من مصلحة الشعب العراقيّ أن تذهب وارداته النفطية إلى الولايات المتّحدة ولا يكون له حقّ اتّخاذ القرار بشأن أمواله واقتصاده؟ وهل من مصلحة الشعب العراقيّ أن لا يملك الخيار في علاقاته مع جيرانه، وأن يُفرَض عليه قطع العلاقات مع جيرانه، مع أنّ له مع جيرانه مصالح مشتركة عظيمة، وخاصّة الجار الذي أخلص للعراق في محنته الكبرى أيّام هجوم التكفيريّين المدعومين من قِبل العدوّ الأمريكيّ؟ والآن، كيف يتوهّم بعض السياسيين العراقيين أنّ في الخضوع للعدوّ الأمريكي ومعاداة أخلص جيرانه مصلحةً عقلانية؟

أيّ عقلانية هذه التي تضحّي بمصالح الشعب العراقيّ في استقلاله السياسيّ والإداريّ والاقتصاديّ، وتضحّي بأصدقاء الشعب العراقيّ وحماته وسنده وظهره أيّام الوحدة والمحنة، في سبيل جلب رضا أعدائه؟

أليست الولايات المتّحدة هي العدوّ الأكبر للشعب العراقيّ الذي دمّر العراق، وقتل عشرات الآلاف من أبنائه ورجاله ونسائه وأطفاله؟

أليست الولايات المتحدة هي التي جهّزت داعش وأسّسته بحسب تصريح رئيسها الحاليّ؟ ذلك التنظيم الذي ذبح أبناء العراق، وأيتم أطفاله، وشرّد نساءه، واستباح دماء العراقيّين وأموالهم، وانتهك سيادتهم، وغصب أرضهم وجوّهم وبحرهم وبرّهم؟

اعلموا أيّها السياسيون العراقيون أنّ الشعب العراقيّ شعب عزيز، لا يرضى بالذلّ والهوان أبداً، ولا يتخلّى عن إيمانه ودينه أبداً. أليس هذا الشعب هو الذي استجاب لنداء مرجعيّته العليا، فهبّ لنصرة دينه وإنقاذ وطنه هبّة ملايينيّة أدهشت العدوّ وأربكته؟!

وأليس هذا الشعب هو ذلك الشعب الحسينيّ العلويّ الذي خلق من أربعينية الحسين صلوات الله عليه أعظم تجمّع جماهيريّ لحماية المظلوم والوقوف بوجه الظالم المستكبر، اقتداءً بالحسين عليه الصلاة والسلام؟!

وأليس هذا الشعب هو الشعب العظيم الذي ظلّ طوال أربعة عشر قرناً متمسّكاً بولاية أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، ومقارعاً للظلم والطغيان، رغم كلّ ما تحمّله في هذا السبيل من الضحايا والشهداء والخسائر الماليّة والجسديّة؟!

اعلموا أيّها السياسيون العراقيون أنّ الشعب العراقيّ سوف يثور في القريب العاجل على الطغيان الأمريكيّ ويسحقه سحقاً، وسوف يرفض الذين رضوا بهوان الشعب العراقيّ وذلّه أيّام الهيمنة الأمريكية على مقدّرات هذا الشعب المظلوم.

قال سبحانه وتعالى: «وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ» (سورة الحج/ ٤٠).

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «وَاللَّهِ إِنَّ امْرَأً يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ يَعْرُقُ لَحْمَهُ، وَيَهْشِمُ عَظْمَهُ، وَيَفْرِي جِلْدَهُ لَعَظِيمٌ عَجْزُهُ، ضَعِيفٌ ما ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوانِحُ صَدْرِهِ. أَنْتَ فَكُنْ ذاكَ إِنْ شِئْتَ، فَأَمَّا أَنا فَوَاللَّهِ دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ تَطيرُ مِنْهُ فَراشُ الْهامِ، وَتَطيحُ السَّواعِدُ وَالْأَقْدامُ» (الخطبة ٣٤ من نهج البلاغة).

والسلام عليكم ورحمة الله.

محسن الأراكي

١٤ جمادى الأولى ١٤٤٨

رسالة تحذيرية من آية الله الأراكي إلى قادة العراق: الخضوع للسياسات الأمريكية خروج عن الإيمان وتفريط بالاستقلال

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل