من ردّ الفعل إلى هندسة النظام: التحوّل الاستراتيجي الإيراني بعد حرب الأربعين يومًا

افتتاحية صحيفة “صوت_إيران” الإلكترونية، العدد ٥٠٤، الصادرة من موقع؛ KHAMENEI.IR

📩 طهران تتجاوز مرحلة الدفاع المحض، وتتجه نحو هندسة منظومة أمنية جديدة في غرب آسيا.

📝 تشير التحولات الاستراتيجية في العقيدة العسكرية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، عقب المعارك الأخيرة، ولا سيما حرب الأربعين يومًا، إلى حدوث تحوّل استراتيجي يتمثل في مسار تدريجي ومحسوب ومتعدد المستويات؛ إذ لم تكتفِ إيران بالرد التكتيكي على العدوان، بل بدأت تتجاوزه نحو مرحلة أخرى تتمثل في إحداث تغيير جوهري في الترتيبات الأمنية وإعادة تعريف المعادلات الاستراتيجية للمنطقة.

🔹️ لفهم عمق هذه العقيدة العسكرية، لا يمكن الاكتفاء بمجرد إحصاء الأهداف التي جرى استهدافها، أو رصد قائمة الهجمات الصاروخية، أو تقدير الخسائر المادية التي تكبّدها الطرف المقابل. فمنطق الاستراتيجية الكبرى لا يتجلى بقدر ما يتجلى في لحظة اندلاع المواجهة، بل يظهر بصورة أوضح في استمرارية العمليات، والاختيار المدروس لمسارح المواجهة، والترابط بين التحركات الميدانية والآفاق السياسية والأمنية بعيدة المدى.

ومن هذا المنطلق، ينبغي تحليل التطورات التي أعقبت السابع من أكتوبر في سياق ثلاث مراحل من التطور التدريجي للاستراتيجية الإيرانية، وهي مراحل شكّلت فيها «حرب الاثني عشر يومًا»، ثم «حرب الأربعين يومًا»، محطتين مفصليتين وعلامتين فارقتين.

🔹️ بعد حرب الأربعين يومًا، والنجاح الذي حققته الجمهورية الإسلامية الإيرانية على المستويين الميداني والاستراتيجي في إفشال مساعي التحالف الأمريكي الإسرائيلي، تجاوزت طهران مرحلة الاكتفاء بالإجراءات ذات الطابع الردّي، وبالاستناد إلى ما راكمته من قدرات وما اكتسبته من ثقة بالنفس، باتت تسعى إلى تغيير الترتيبات الأمنية في غرب آسيا.

وهو ما بات حاضرًا بوضوح في التوجهات الاستراتيجية للقيادة العامة للقوات المسلحة.

🔹️ إن دراسة مواقف وتصريحات قائد الثورة الإسلامية بعد حرب الأربعين يومًا تثبت وتكشف أن مسألة إنهاء وجود القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة ارتقت اليوم إلى مرتبة العمود الفقري للسياسة العامة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في مجال هندسة نظام إقليمي جديد.

🔹️ في الخطوات الأولى، وُجّهت رسائل صريحة إلى دول الجوار، مفادها أن إيران ترغب في إقامة علاقات أخوية وبنّاءة مع جيرانها، لكنها ترى أن وجود القواعد العسكرية والمنشآت المالية والعسكرية التابعة للقوى الأجنبية يشكّل أداة لاستغلال سيادة دول المنطقة وإخضاعها.

كما أسهم طرح مسألة المطالبة بتعويضات عن أضرار الحرب، وإدراج الأصول غير المشروعة للعدو ضمن بنك أهداف القوات المسلحة، في بلورة هذا التوجه القانوني والعسكري الجديد بصورة أكثر وضوحًا، خطوةً بعد أخرى.

🔹️ وتتجلى ذروة هذا الوضوح في إعادة النظر في المفاهيم التقليدية للقانون البحري، وإرساء إدارة وطنية على الشريان الحيوي المتمثل في مضيق هرمز.

ففي الرؤية الاستراتيجية الجديدة لطهران، لا يُعدّ مضيق هرمز مجرد ممر جغرافي، بل يمثل نقطة ارتكاز لممارسة الإرادة الأمنية، وخطًا أحمر للسيادة المستقلة لدول المنطقة في مواجهة القوى المتدخلة من خارجها، فضلًا عن كونه عنق زجاجة تسعى طهران إلى بناء منظومتها الأمنية الجديدة انطلاقًا منه.

كما أن التأكيد المتكرر على تأمين الخليج الفارسي من خلال توطين إدارة الأمن، ووضع حد لاستغلال القوى الكبرى للممرات المائية الحيوية، يشكل دليلًا على حقيقة مفادها أن أمن غرب آسيا ينبغي أن تتولى ضمانه القوى والجهات الفاعلة من أبناء المنطقة أنفسهم.

🔹️ وترتبط هذه الهندسة الجديدة ارتباطًا وثيقًا بالاستراتيجية الكبرى المتمثلة في «وحدة ساحات جبهة المقاومة».

فعلى امتداد القرن الماضي، كانت الهندسة الأمنية والجغرافية لغرب آسيا نتاجًا دائمًا للتفاهمات الاستعمارية بين القوى الخارجية؛ بدءًا من ترسيم الحدود وفق اتفاقية سايكس بيكو عقب الحرب العالمية الأولى، مرورًا بإرساء العقائد الأمنية خلال الحرب الباردة، وصولًا إلى التدخلات الخارجية التي أعقبت عام 2003 في العراق وأفغانستان، حيث ظلّت إرادة القوى الأجنبية هي العامل الحاسم في تقرير مصير الشعوب.

🔹️ وتسعى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من خلال طرح فكرة ربط مكونات جبهة المقاومة بعضها ببعض، إلى قلب هذا النموذج البالي وتجاوزه.

أما النموذج البديل، فيقوم على تشكيل تكتل إقليمي متكامل ومتقارب، لا يستند فيه الأمن إلى عقيدة «القواعد العسكرية المستأجرة»، بل يقوم على الاعتماد على الذات من الداخل، والتكامل بين الدول والشعوب الإسلامية، وتوظيف القدرات المحلية.

وهذا الهدف الاستراتيجي الكبير يتطلب سندًا متوازنًا من المقومات العسكرية والدبلوماسية والقانونية والاقتصادية، ويرسم ملامح إطار حضاري إسلامي جديد.

🗞️#روزنامه_صداى_ايران
💻 Farsi.Khamenei.ir
—
ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل