موقف الشّيعة من الصّحابة/ الشيخ الحارثي العاملي

في كتابه “وصول الأخيار إلى أصول الأخبار” يجيب الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي عن هذا الأمر بقوله: وقد وجّه أهل السنّة الطعن إلينا ببغض كُلِّ الصحابة وسبّهم، وهذا جهل منهم أو تجاهل؛ لأنّ بغضهم وسبّهم جميعاً لا يرضى به على وجه الأرض مسلم، وانّما هم عندنا على ثلاثة أقسام: معلوم العدالة، ومعلوم الفسق، ومجهول الحال.

أمّا معلوم العدالة: فكسلمان والمقداد ممّن لم يحل عن أهل البيت طرفة عين، أو أنّه حال أو شكّ، ثمّ رجع لمّا تبين له الحقّ. فنحن نتقرّب إلى الله تعالى بحبّهم ونسأل الله أن يجعلنا معهم في الدنيا والآخرة. وكتب الرجال التي عدّدناها مملوءة مشحونة بتعديل الجمّ الغفير منهم والثناء عليهم بحيث لا يستطاع إنكاره ولا يخفى على ذي بصر.

وأمّا معلوم الفسق أو الكفر: فكمن حال عن أهل البيت ونصب لهم البغض والعداوة والحرب. فهذا يدلّ على أنَّه لم يكن آمن وكان منافقاً، أو أنَّه ارتدَّ بعد موت النّبيّ (صلّى اللّٰه عليه وآله) كما جاء في الأخبار الصّحيحة عندهم؛ لأنّ مَن يحبّ النّبيّ لا يبغض ولا يحارب أهل بيته، الذين أكّد الله ورسوله كلّ التّأكيد في مدحهم والوصيّة والتّمسّك بهم. وفيما نقلناه فيما تقدّم عن بعضهم من صحاحهم كفاية. وهؤلاء نتقرّب الى الله تعالى والى رسوله ببغضهم وسبّهم وبغض من أحبّهم.

وأمّا مجهول الحال: فكأكثر الصّحابة الذين لا نعلم خافوا الله تعالى ورغبوا في ثوابه فتمسّكوا بأهل بيته الذين أمر الله ورسوله بالتّمسّك بهم، أم انحرفوا عنهم وتمسّكوا بأعدائهم اتّباعاً لهوى أنفسهم ورغبة في زينة الحياة الدنيا وزهداً في الله وثوابه. فهؤلاء نكل أمرهم الى الله فهو أعلم بهم، ولا نسبّهم، ونشتغل عن الخوض في شأنهم بما هو أهمّ.

وأمّا ما ورد عندنا وعندهم من الأخبار الدّالّة على ارتداد كلّ الصّحابة أو ارتدادهم بقول مطلق فإنّه يجب حملها على المبالغة؛ لأنّ الذين ثبتوا على الاستقامة بعد الرّسول كانوا قليلين، وكثير منهم رجع الى الحقّ بعد أن عاند أو تزلزل. ولو خفي منهم شيء لم يخفَ مَن كان مع علي (عليه السّلام) في حرب الجمل وحرب صفّين من الأنصار والمهاجرين، فلقد كانوا ألوفاً متعدّدة، بل كانوا أعاظم عسكره ممّن لم يحولوا عنه، أو رجعوا إليه ممّن حضر قتل عثمان أو ألّب عليه أو رضي به، وكثير منهم قُتلوا بين يديه حبّاً له ولإظهار الدّين، وقدِموا على الله تعالى شهداء مرمّلين بدمائهم لأجل إعلاء كلمة الحقّ من أيدي المنافقين والكفّار من أعدائه.

فكيف يجترئ من يؤمن بالله واليوم الآخر ويحبّ الله ورسوله أن يسبّ كلّ الصحابة؟ هذا ممّا لا يتوهّمه عاقل في شأن مسلم.

وبهذا يحصل الجمع بين ما جاء في الكتاب العزيز من مدح الصّحابة في قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ…} [الفتح: 29]، وبين ما جاء من النّصوص عندنا وعندهم على ارتداد الصحابة وذمّهم. والله وليّ التوفيق.

المصدر: وصول الأخيار إلى أصول الأخبار، الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي، ص 163.

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: إذا كان من المقرَّر أن يُنسخ حكمٌ من أحكام القرآن الكريم، فلماذا نزل ابتداءً بصيغة آية قرآنية؟ وإذا كان حكمه قد رُفع لاحقاً، فما العلّة في بقائه ضمن النص القرآني وعدم حذفه؟ ثم ما الأساس والمسوِّغ لتلاوة الآيات المنسوخة أصلاً؟ ولماذا، على الرغم من وقوع النسخ، ما تزال الآيات المنسوخة باقية في القرآن الكريم وتُتلى؟
السؤال: هل تُعدّ المرأة غير المحجّبة، رغم صلاح سائر أعمالها، من أهل النار؟ ولا سيّما أنّ كثيرًا من المحجّبات قد لا تكون أعمالهنّ الأخرى مستقيمة
السؤال: ما مبرّرات استمرار الحاجة إلى الدين في ظل تطوّر العلوم الحديثة؟
السؤال: ما هو الموقف الاسلامي من قضیة العالم الموازي الذی یدّعي الغربیون التوصل الیه؟
السؤال: قبل اغترابي لغرض الدراسة في أمريكا، كنت أعتقد أني متعلق بالله تعالى وأهل البيت (ع), فكنت أقيم صلاة الليل وزيارة عاشوراء وغير ذلك.. وبعد سفري ابتعدت شيئا فشيئا عن ذلك الخط، حتى تهت في بحر الشهوات واللذات، حتى ابتلاني الله تعالى ببلاء عظيم، لا أظن أني أفارقه حتى الممات!.. وها أنا الآن نادم على ما صار، ولكن تبعات الذنوب المادية أحاطت بي!.. سمعت عن الانتقام الإلهي لأولئك الذين منّ الله عليهم بالقرب فابتعدوا.. فالسؤال هو: بعد أن أصابني الله تعالى بانتقامه، كيف لي أن أرجع إليه؟.. وكيف أصرف ما أصابني منه؟..

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل