السؤال: حول الاجتهاد والتقليد، فأنا اعتقد أنّه الأجدر والأبرء للذمّة ما لو بقي كل إنسان على تقليد نفسه. وسؤالي أنّه وردت أحاديث (من كان صائناً لنفسه)، ما مدى صحّة هذا الحديث سنداً؟ وكذلك الحديث الثاني: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلي رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم).

الجواب: معنى كلامك بتقليد نفسك: أنّك لا تقبل الواسطة للوصول للحكم الشرعي عن طريق أي شخص، بل تريد الوصول إليه بنفسك، وهذا يمكن تسميته بـ(الاجتهاد)، إذا كنت تملك الأدوات العلمية التي تتيح لك الاستنباط والوصول للحكم الشرعي، ولكننا نشكّ في ذلك لكلّ من لم يدرس مقدّمات كثيرة، ويتقن علوماً معقّدة، تتيح له الاستنباط! فالذي تعمله إذن ليس هو باجتهاد، بل هو تحكيم للرغبات والأهواء النفسية للوصول لعمل معيّن تعتبره حكماً شرعياً, ومثل هكذا سلوك قد أوصل بعض الناس كما في الخوارج ونظرائهم اليوم إلى تكفير طوائف من الناس وتجويز قتل المسلمين الأبرياء, فأيّ حكم شرعي هذا؟!

وأما خبر (من كان من الفقهاء صائناً …) المروي في تفسير العسكري، فقد قال السيّد الخوئي عنه: وقد يستدلّ عليه برواية الاحتجاج المروية عن التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام)؛ حيث ورد فيها: (فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه…). ويدفعه أوّلاً: أنّ الرواية ضعيفة السند؛ لأنّ التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام) لم يثبت بطريق قابل للاعتماد عليه، فإنّ في طريقه جملة من المجاهيل، كمحمّد بن القاسم الاسترابادي، ويوسف بن محمّد بن زياد، وعلي بن محمّد بن سيار، فليلاحظ. هذا إذا أُريد بالتفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام) هو الذي ذكره الصدوق (قدس سرّه) بإسناده عن محمّد بن القاسم الاسترابادي, والظاهر أنّه مجلد واحد، كما لا يخفى على من لاحظ التفسير الموجود بأيدينا اليوم. وأمّا لو أُريد به: الذي ذكره محمّد بن علي بن شهرآشوب، على ما نقله في المستدرك، فالسند به صحيح؛ لأنّه ذكر: الحسن بن خالد البرقي، أخو محمّد بن خالد، من كتبه: تفسير العسكري، من إملاء الإمام (عليه السلام)، والحسن بن خالد ممّن وثّقه النجاشي، وللمشايخ إليه طرق صحيحة….

ولكن لصاحب (تنقيح المقال) رأي آخر في الدفاع عمّن روى التفسير المذكور، فقال في الدفاع عن الاسترابادي: انّ مثل الصدوق (رضي الله عنه) العدل العارف قد أكثر الرواية عنه، فتارة يعبّر عنه بمحمّد بن القاسم الاسترآبادي، وأُخرى بمحمّد بن علي الاسترآبادي، وثالثة بمحمّد بن القاسم المفسّر، وكلّما ذكر المفسّر فهو المراد به, وفي جميع الموارد يذكره مترضّياً، وهذا الالتزام منه بالترضّي يكشف عن كون الرجل جليلاً ثقة ثبتاً.

وعن بعض الفقهاء المتأخّرين: أنّ من له أدنى ربط بأحاديث الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) يجزم بأنّ هذا التفسير من كلام المعصوم.

ولكن بعض الفقهاء لا يقبل قول صاحب التنقيح؛ لأنّ مجرّد رواية الصدوق عنهم لا يدلّ على توثيقهم؛ لأنّه روى في بعض كتبه عن غير الموثّقين. وأمّا حديث: (وأمّا الحوادث…)، فقد ذكره الصدوق في (كمال الدين)، والشيخ الطوسي في كتاب (الغيبة)، وسند الحديث لا بأس به إلاّ من جهة إسحاق بن يعقوب؛ فإنّه مجهول، لكن نقل الكليني عنه في سند الحديث قد يدلّ على اعتماده عليه, فإذا قبلنا هذا كان الحديث مقبولاً.

للمشاركة:

روابط ذات صلة

أحكام رمضان | صيام المسافر عند لحظة أذان الظهر
كيف أعرف أن غضبي طبيعي ولا أحتاج إلى مراجعة اختصاصيّ نفسي؟
معرفة الله عند الأطفال | ما هو شكلُ الله؟
عندما يسأل الطفل، كيف نجيبه؟ + سبع طرق تطبيقية
السؤال لماذا يُشار إلى الله في القرآن الكريم بضمير التذكير «هو»؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل