الجواب : إنّ الله عزّ وجلّ لا يفعل القبيح قطعاً ولا يخلف وعده فحينما يتعهد بحفظ القرآن الكريم، فهو قطعاً سيحفظه بالطريقة التي تناسب حكمته.
وقد تعهد عزّ وجلّ بحفظ القرآن الكريم وعدم تمكن أحد من وضع شيء ليس منه فيه، فقال عزّ من قائل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(الحجر/9)، وقال: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)(سورة فصّلت:42).
فلا يرد ما ذكرتموه؛ لأنّ قوله تعالى هو الفصل، فإذا تعارض مع من يدّعي التحريف أو النقص أو الزيادة أو الغلط والخطأ أو الاشتباه أو التلف أو عدم الجمع في زمن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو التحريق للأصول أو أكل الداجن أو إعادة الكتابة أو الجمع بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بسنوات، فإنّنا نصدّق الله تعالى ونكذّب كلّ ما سواه ممّا يعارض قوله تعالى، فكيف مع كون قوله عهداً وتعهداً وتحدّياً منه لنا بالحفظ وعدم عروض الباطل عليه!
إضافة إلى ورود روايات بجمع أمير المؤمنين(عليه السلام) للقرآن في زمن النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مع كون القول بجمع زيد بن ثابت للقرآن بشهادة رجلين فإنّ لازمه فاسد وباطل! حيث ينفي كون القرآن متواتراً كما هو مجمع عليه، ويسقط حجّية القرآن ويجعله آحاداً، وأنه مجموع بالصدفة لا بما تكفّل الله تعالى به من حفظه!
إضافة إلى ورود أحاديث صحيحة كثيرة بل متواترة المعنى في ترك النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) للقرآن في أُمّته وفضل تلاوته وختمه، فكيف يكون القرآن غير مجموع ولا مرتّب في زمن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع حرصه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على تكليف كثير من الصحابة بكتابته وترتيبه أوّلاً بأوّل، فكيف يدّعى عدم جمعه في حياته الشريفة؟!
أمّا بشأن التحريق فقد جمع الصحابة على اختلافهم وتعدّد اجتهاداتهم، مصاحف كثيرة كلّ واحد منها يختلف في الجملة مع غيره مما في حوزة كتّاب القرآن ومدوّنيه، ولذا حصل الخلاف واشتد بينهم وتوسع إلى غيرهم شيئاً فشيئاً، حتّى وصل إلى تكفير بعضهم بعضاً كما في خبر حذيفة، وكلّ هذا قد نشأ بسبب عصيانهم لأمر الله تعالى ونبيّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تسليم الأمر لأهله من بعد الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لكنّهم رفضوه حتّى وصفهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالغدر حين قال لعليّ(عليه السلام): (يا عليّ! إنّ الأُمّة ستغدر بك بعدي)(المستدرك على الصحيحين 3/142 وغيره)، فإنّ الله عزّ وجلّ حينما جعل خليفة له لا بدّ أن يحبيه بصفات وعلوم يختص بها ويتميّز بها عمّن سواه كونه حجّة الله على خلقه، ومنها: حفظه للقرآن بكلّ حيثياته دون غيره من الأُمّة. وبذلك حصل الخلل الكبير والاختلاف في نسَخهم!
لكن بما أنّ المصحف الموجود اليوم هو من قراءة حفص عن عاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي، فهو قطعاً عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) فقط دون غيره؛ حيث قال عاصم لحفص كما نقلوا: ((ما حدثتك عن أبي عبد الرحمن السلمي فهو عن عليّ بن أبي طالب)(انظر: جامع البيان في القراءات السبع للداني 1/260، معرفة القراء الكبار للذهبي 1/92، غاية النهاية في طبقات القرّاء لابن الجزري 1/153).
فيكون القرآن الذي حفظه وجمعه حجّة الله تعالى بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو نفسه القرآن المشهور بين الناس المنسوب كذباً وزوراً لعثمان ولزيد بن ثابت العثماني! وما أحرقه عثمان من مصاحف للصحابة لم تكن منضبطة قطعاً لعدم جمعهم له كما يريده الله تعالى بلا زيادة أو نقصان أو خطأ أو تحريف.
وبناء على ما ذكرنا يثبت أنّ القرآن الذي بين أيدينا هو القرآن الكريم الذي تكفّل الله تعالى بحفظه وأنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفة، وأنّه قد جمع في زمن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحفظه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) كتابة أيضاً، وأخذه عنه عموم المسلمين واشتهرت قراءة أمير المؤمنين(عليه السلام) وضبط من خلالها القرآن ووزنت وقيست عليه جميع المصاحف.