تقرير عن المؤتمر الوطني «الفقه والأخلاق»: نقد جذري للفصل بين الفقه والأخلاق والدعوة إلى النزعة الوحدويّة

«الأخلاق بلا فقه ستؤول إلى أخلاق علمانيّة»
تقابل «الفقه النصّي» و«الفقه العدالي»

عُقد المؤتمر الوطني الأوّل بعنوان «الفقه والأخلاق؛ العلاقات المعرفيّة» بحضور آية الله كريمي الجهرمي، ونخبة من المفكّرين والأساتذة والباحثين من الحوزة والجامعة، وذلك في معهد القرآن والحديث بمدينة قم. وقد جاء هذا المؤتمر العلمي، الذي استغرق يومًا واحدًا، ثمرةَ عامٍ كامل من العمل البحثي وعقد أحد عشر لقاءً تمهيديًّا تخصصيًّا. وشارك في المؤتمر سبعة من الأساتذة البارزين، هم: عليرضا أعرافي، محمد تقي سبحاني، أبو القاسم عليدوست، السيد محمد مهدي ميرباقري، محمد عالم‌زاده نوري، هادي صادقي، والسيد محمد حسيني سوركي، حيث عرض كلٌّ منهم رؤيته حول طبيعة العلاقة بين الفقه والأخلاق.

وبحسب مراسل «شبكة الاجتهاد»، تمحورت الرؤى الكلّية المطروحة في المؤتمر حول محاور أساسيّة، من بينها: التوسّع البنيوي للفقه وفتح الأبواب الاعتقاديّة–الأخلاقيّة، والنقد الجذري للفصل التاريخي بين الفقه والأخلاق والدعوة إلى النزعة الوحدويّة، وتقابل «الفقه النصّي» و«الفقه العدالي»، ودور العقل الكلّي في فهم الأخلاق والأنثروبولوجيا الإسلاميّة، وتمييز وتفاعل علمَي الفقه والأخلاق من المنظور الإبستمولوجي، وطرح نموذج للوحدة المنهجيّة والبنية ذات الطبقتين للفقه النظامي، إضافة إلى نقد «الوضعانيّة الفقهيّة» والتأكيد على أخلاقيّات الاجتهاد المهنيّة. وقد أكّد المتحدّثون أنّ الفقه من دون أخلاق يفتقد إلى العمق، كما أنّ الأخلاق من دون فقه تفتقد إلى ضمانة التنفيذ.


الفقه الشيعي غير منفصل عن الأخلاق ومنبعهما واحد

وجّه آية الله كريمي الجهرمي رسالة إلى المؤتمر أكّد فيها أنّ الفقه الشيعي ليس منفصلًا عن الأخلاق، بل إنّهما كتيّاران منبثقين من منبعٍ واحد، وينبغي أن يسيرا في المنظومة العلميّة للحوزة مسارًا تكامليًّا تفاعليًّا.

وشدّد على ضرورة إعادة قراءة الأخلاق الإسلاميّة بالمنهج الاجتهادي والرجوع إلى تراث القرآن وأهل البيت عليهم السلام، مبيّنًا أنّ مصطلح «الأخلاق» أو «الأخلاق الإسلاميّة» يُتداول كثيرًا، غير أنّ الواقع يشهد استيراد علم الأخلاق من ثقافات غير شيعيّة والترويج لها، وهو أمر أُهمل التنبيه إليه عبر الزمن، فحال دون نموّ الأخلاق الإسلاميّة بالوجه اللائق بها؛ مع أنّ مصدرها الأصلي هو سيرة النبي الأكرم وأقواله وأقوال أهل بيته عليهم السلام. وكان الأولى إبراز الكنوز المعرفيّة الفريدة التي يمتلكها التراث الشيعي لتعريف العالم بتشيّعٍ أعمق وأغنى.

وأشار إلى أنّه كثيرًا ما نبّه في دروس الفقه إلى أنّ هذه المباحث ليست فقهيّة محضة، بل تنطوي في أعماقها على بحار من الأخلاق الإسلاميّة، ينبغي أن تُستثمر جنبًا إلى جنب مع البحث العلمي. وضرب مثالًا بقراءة كتاب «المكاسب» للشيخ الأنصاري، التي لا تمنح القارئ فقهًا شيعيًّا عميقًا فحسب، بل تعرّفه أيضًا على أخلاق الإسلام والتشيّع في صورتها الأصيلة.


شواهد قرآنيّة على امتزاج الفقه بالأخلاق

في باب الزكاة، يقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا … وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾،

حيث يتجاوز الهدف مجرّد إعانة الفقراء، ليبيّن أنّ أداء الزكاة يؤدّي إلى تطهير النفس وتزكيتها، وإزالة الرذائل الأخلاقيّة كالحِرص والطمع والتعلّق بالدنيا، فضلًا عن أنّ دعاء النبيّ للمتصدّقين يورث السكينة والطمأنينة في نفوسهم.

وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، حيث اقترنت الصلاة، وهي حكم فقهي، بالصبر، وهو قيمة أخلاقيّة، بل إنّ الصلاة نفسها تتوقّف في إقامتها الصحيحة على الصبر الذي يُعدّ مهيِّئًا للإنسان على الاستمرار في أداء الواجبات والمستحبّات.


شواهد من أبواب الفقه

إنّ الفقه الإسلامي، وبالأخص الفقه الإمامي، ممزوج بالأخلاق في جميع أبوابه، من النكاح والطلاق إلى الأبواب الشديدة كالحُدود والدّيات. وقاعدة «ادرؤوا الحدود بالشبهات» تمثّل مثالًا واضحًا على اقتران الأحكام الإلهيّة بالاعتبارات الأخلاقيّة، إذ تكشف عن أنّ الشريعة لا تريد أن يُسارع القاضي إلى إنزال العقوبة من دون تحفّظ، ممّا يدلّ على أنّ أحكام الحدود والتعزيرات نفسها مقرونة بالأخلاق.

ودعا إلى نشر هذه الرؤية في الجامعات والمراكز العلميّة خارج العالم الإسلامي، لتعريف الشعوب بمنطق الإسلام والتشيّع، الذي يتميّز في نظرته الأخلاقيّة للفقه تميّزًا فريدًا بين المذاهب.


التوسّع البنيوي للفقه وفتح الأبواب الاعتقاديّة–الأخلاقيّة

أوضح الأستاذ عليرضا أعرافي أنّ الفقه والأخلاق يقعان ضمن منظومة معرفيّة واحدة؛ فكما قد تظهر في العلم الواحد تعارضات واختلافات داخليّة، فإنّ ذلك لا يخرجهما عن كونهما جزءًا من نسقٍ واحد. وبيّن أنّ تمايز العلوم قد يكون حقيقيًّا من حيث الموضوع، واعتباريًّا من حيث الانتماء إلى منظومة واحدة تحكمها مقاصد مشتركة.

وعرض نظريّة «النوى الصلبة والمجالات المشتركة»، حيث توجد مجالات صلبة خاصّة بكلّ علم، إلى جانب مساحات واسعة من التداخل. وذهب إلى أنّ هذا التصوّر الوسطي هو الأصحّ، إذ يتيح للفقه أن يستوعب المعطيات الأخلاقيّة، وللأخلاق أن تستفيد من المنهج الفقهي.

كما طرح إمكان فتح أبواب جديدة في الفقه، مثل فقه الاعتقادات وفقه الأخلاق الاجتماعيّة وفقه التربية وإدارة الحالات الباطنيّة، مؤكدًا أنّ الأفعال الباطنيّة والصفات النفسيّة، ما دامت قابلة للاختيار، يمكن أن تدخل في دائرة الأحكام الشرعيّة.


نقد الفصل بين الفقه والأخلاق والدعوة إلى الوحدة

أكّد الأستاذ محمد تقي سبحاني أنّ الفصل بين الفقه والأخلاق لا أصل له في القرآن ولا في سنّة أهل البيت، بل هو نتاج ظروف تاريخيّة وحضاريّة، لاسيّما بعد دخول الفلسفة اليونانيّة في الفكر الإسلامي. وبيّن أنّ أحد أخطاء تاريخ الفكر الإسلامي هو التعامل مع الفقه بوصفه قانونًا محضًا، الأمر الذي أسهم في فصله عن الأخلاق.

وشدّد على أنّ الأخلاق العقليّة تُعدّ من أوضح مدركات العقل، وأنّ إخراجها من دائرة الفقه يؤدّي إلى فصل العقل عن الشريعة. وخلص إلى أنّ الأخلاق بلا فقه ستتحوّل إلى أخلاق علمانيّة، كما أنّ الفقه بلا أخلاق يفقد قابليّته للتديّن والتطبيق.


تقابل «الفقه النصّي» و«الفقه العدالي»

تحدّث الأستاذ أبو القاسم عليدوست عن وجود تيّارين بارزين في الاستنباط المعاصر: أحدهما يمنح الأصالة المطلقة للنصّ وإطلاقات الأحكام، والآخر يلحظ معيار العدالة والعقل والقرآن في فهم النصوص. واستعرض نموذج الطلاق القضائي بوصفه مثالًا حيًّا على هذا التقابل، مبيّنًا أنّ التمسّك الحرفي ببعض الروايات من دون عرضها على القرآن والعقل قد يؤدّي إلى نتائج غير أخلاقيّة وغير عادلة.

وأكد أنّ الفقيه لا يجوز له تجاهل الآثار الاجتماعيّة لأحكامه، ولا أن يكتفي بإطلاق النصّ بمعزل عن مخرجاته العمليّة، داعيًا إلى الجمع بين الانضباط المنهجي ومراعاة مقتضيات العصر، مع التأكيد على أنّ التشريع الإلهي لا ينفكّ عن العدالة.


الأخلاق بوصفها تجلّيًا للعقل الكلّي في ظلّ العبادة

بيّن الأستاذ السيد محمد مهدي ميرباقري أنّ فهم العلاقة بين الدين والأخلاق يقتضي البدء من المنظور الوجودي، حيث تتحقّق الحقائق الأخلاقيّة في العقل الكلّي وفي وجود الأنبياء والأئمّة عليهم السلام. وأوضح أنّ الأخلاق لا معنى لها خارج إطار الألوهيّة، وأنّها جزء لا يتجزّأ من الدين بوصفه أداةً لقيادة مسار النموّ الإنساني.

ورأى أنّ العقل الإنساني ليس مستقلًّا عن العقل الكلّي، بل هو شعاع منه، ولا يكتمل إدراكه الأخلاقي إلا في ظلّ الولاية. ومن ثمّ، لا يمكن تأسيس أخلاق حقيقيّة بمعزل عن الوحي.


ضرورة التفقّه الديني في الأخلاق

أكّد على أنّ النظام الأخلاقي الديني لا يُكتشف إلا عبر التفقّه في المصادر الدينيّة، لا عبر استعارة مبانٍ فلسفيّة أو عرفانيّة أجنبيّة عن الوحي، داعيًا إلى توسيع مجال دراسة الأخلاق ليشمل المجتمع والتاريخ وبناء الحضارات.


التمييز والتفاعل بين علمَي الفقه والأخلاق إبستمولوجيًّا

ناقش الأستاذ محمد عالم‌زاده نوري العلاقة بين علم الفقه وعلم الأخلاق من حيث كونهما علمين، لا من حيث كونهما حقيقتين دينيّتين. وبيّن أنّ الأخلاق، بمعناها الحديث، علمٌ يبيّن القيم والخير والشر، بينما الفقه علم يبحث عن التشريع الإلهي. وأشار إلى أنّ المصدر الرئيس للفقه هو الوحي، في حين أنّ الأخلاق، في المجتمعات غير المؤمنة، تعتمد على العقل البشري.

ورأى أنّ القاعدة القائلة «كلّ ما حكم به الشرع حكم به العقل» ليست مطلقة، بل أغلبيّة، مقترحًا أن يعمل الفقه والأخلاق معًا لتحديد التكليف العملي والقيم الإنسانيّة على نحوٍ متكامل.


نموذج الوحدة المنهجيّة والبنية ذات الطبقتين للفقه النظامي

عرض الأستاذ هادي صادقي نموذجًا عمليًّا لربط الفقه بالأخلاق، يقوم على وحدة المنهج وبنية فقهيّة ذات طبقتين (أخلاقيّة–حقوقيّة). واقترح نموذجًا ثلاثيّ المراحل: استنباط المبادئ الأخلاقيّة، ثمّ القواعد السلوكيّة العامّة، ثمّ الأحكام القانونيّة الجزئيّة، معتبرًا أنّ هذا المسار يؤسّس لفقهٍ قادر على بناء النظام الاجتماعي والتشريعي.


نقد الوضعانيّة الفقهيّة وأخلاقيّات الاجتهاد

تناول الدكتور السيد محمد حسيني سوركي نقد ما سمّاه «الوضعانيّة الفقهيّة»، التي تفصل بين الفقه والأخلاق، وتغفل حجّية العقل العملي. ودعا إلى اعتماد «الاحتياط الأخلاقي» في موارد التعارض الظاهري بين النصّ والحكم الأخلاقي البديهي، معتبرًا الأخلاق مرشّحًا ضروريًّا في عمليّة الاجتهاد.


التقرير العلمي والتنظيمي للمؤتمر

أوضح حجّة الإسلام السيد محمد باقر ميرصانع، الأمين التنفيذي للمؤتمر، أنّ هذا الحدث العلمي جاء نتيجة تخطيط دقيق وتعاون واسع بين المؤسّسات العلميّة، حيث قُبلت أربعون ورقة بحثيّة بعد التحكيم العلمي، ونُشر عدد منها في مجلّات علميّة محكّمة. كما عُقدت أحد عشر جلسة تمهيديّة، وجرى في ختام المؤتمر اختيار أربعين بحثًا متميّزًا، إضافة إلى تدشين ستّة كتب علميّة تضمّ بحوث المؤتمر ومداولات جلساته التخصّصيّة.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل