جواب سماحة القائد المعظّم على شبهةٍ قرآنيّة: «أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»؛ هل عامّةُ الناس غيرُ واعين؟

السؤال: كيف يمكن التوفيق بين قولكم إنّ عامّة الناس يفهمون القضايا فهمًا جيّدًا، وبين آياتٍ من قبيل: «أكثر الناس لا يعلمون» و«أكثر الناس لا يعقلون»، أي إنّ أكثر الناس لا يعلمون ولا يفهمون؟

الجواب:

في الجواب ينبغي أن أقول: إنّ العبارة الثانية، أي «أكثر الناس لا يعقلون»، لا وجود لها أصلًا في القرآن، ولكن الموجود هو قوله تعالى: «أكثرهم لا يعقلون»، أي إنّ أكثرهم لا يفهمون. وهناك فرقٌ بين «أكثر الناس لا يعقلون» و«أكثرهم لا يعقلون». فعندما نقول: «أكثر الناس لا يعقلون» فهذا حكم يشمل مليارات البشر، ومثل هذا الحكم غير موجود في القرآن.

كيف يقال إنّ أكثر الناس لا يفهمون، مع أنّ جميع الناس تقريبًا يفهمون؟ أمّا إذا قلنا: «أكثرهم لا يعقلون»، فإنّ الضمير «هم» يعود إلى التعبير أو الجملة السابقة، والتي تكون غالبًا في سياق الحديث عن الكفّار.

فعلى سبيل المثال، إذا قيل: إنّ الآيات الإلهيّة على هذا النحو، وإنّ لله تعالى مثل هذه القدرة، ولكن «أكثرهم لا يعقلون»، أي إنّ أكثرهم لا يفهمون، فإنّ ذلك يعود إلى المنكرين؛ لأنّ المنكرين لو كانوا يفهمون لما أنكروا. ولذلك فإنّ أكثر المنكرين لم يدركوا الحقيقة التي عُرضت عليهم، ولا يزال من الممكن اليوم القول: عندما نعرض حقيقةً ما على جماعة، فنرى أنّهم ينكرونها، وبما أنّ إنكارهم قد ذُكر في الآية السابقة، يُقال: إنّ أكثرهم لا يفهمون، ومع ذلك ينكرون. فسبب إنكار أكثر الناس هو عدم الفهم.

فإذا عرضتَ حقيقةً على جماعة من الناس، فإن قبلوها تبيّن أنّهم فهموها، وإن أنكروها فإنّ إنكارهم يدلّ على أنّ أكثرهم لم يدركوا الحقيقة، مع وجود قلّةٍ أدركتها لكنّها رفضتها عنادًا. وهذا النوع من التعبير موجود في القرآن، غير أنّه يختلف كثيرًا عن القول بأنّ أكثر الناس في العالم أصلًا لا يفهمون.

فما الذي لا يفهمونه؟ إنّ هذا «عدم الفهم» إذا أُخذ على نحوٍ مطلق، فكأنّه يقال إنّهم لا يملكون فهمًا أصلًا، وهذا غير صحيح.

وعليه، فإنّ تعبير «أكثر الناس لا يعقلون» غير موجود في القرآن، أمّا «أكثر الناس لا يعلمون» فهو موجود. ومع ذلك، لا نجد في القرآن حكمًا مطلقًا يقول إنّ أكثر الناس لا يعلمون أيّ شيءٍ على الإطلاق. وقد دوّنتُ بعض الآيات في هذا السياق، منها قوله تعالى: «قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ»، أي قل إنّ ربّي هو الذي يوسّع الرزق لعباده ويضيّقه، وهذه حقيقة مفادها أنّ الله تعالى يوسّع الرزق لبعض الناس ويضيّقه على آخرين، ثمّ يقول بعدها: «وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»، أي إنّ أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة. والواقع كذلك، فإنّ أكثر الناس لا يعلمون أنّ ميزان الرزق ومصدره بيد الله، وأنّ الله هو الذي يفتح الرزق للناس ويغلقه، أمّا كيفيّة ذلك فله تفصيل لا نريد الدخول فيه الآن. لكنّ هذه الحقيقة، وهي أنّ زمام الرزق بيد الله وأنّ للتقدير الإلهي فيه دورًا، لا يعلمها أكثر الناس، لا أنّهم لا يعلمون شيئًا مطلقًا.

وكذلك قوله تعالى في آية أخرى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا»، أي ما أرسلناك إلّا مبشّرًا ومنذرًا لجميع الناس، ثمّ يقول بعدها: «وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»، أي إنّ أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة، وهي أنّ الله تعالى أرسل النبيّ الخاتم للتبشير والإنذار لكلّ البشر.

وكذلك قوله تعالى: «وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»، أي إنّ الله غالبٌ على أمره، مسيطر على شؤونه، ويُحقّق إرادته حتمًا، لكنّ أكثر الناس لا يعلمون أنّ الله تعالى يُمضي إرادته ويُنجزها.

فليس الأمر كما لو أنّ القرآن الكريم حكم على أكثريّة البشر حكمًا مطلقًا بأنّهم لا يفهمون، بحيث إذا قلنا إنّ عامّة الناس يفهمون القضايا فهمًا جيّدًا، يُقال لنا: كيف تقولون إنّهم يفهمون، مع أنّ الله يقول إنّهم لا يفهمون؟

فلا يوجد في القرآن مثل هذا الحكم المطلق. بل الحقيقة هي أنّ عامّة الناس يفهمون الحقائق والقضايا فهمًا جيّدًا. نعم، لا يوجد إنسان يفهم جميع الحقائق بنفسه، ولكن عندما يوجد من يبيّن للناس ويُوضّح لهم، فإنّ عامّة البشر، لعدم امتلاكهم غرضًا خاصًّا أو مصلحةً خفيّة، يفهمون المسائل جيّدًا ويقبلون الحقائق، بخلاف بعض المثقّفين المتأثّرين بالغرب.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

لماذا يبقى حزب الله صامدًا رغم الضغوط الهائلة؟
السؤال: هل الدينُ نتاجُ الثقافة والجغرافيا؟ وهل الدين والاعتقادات -كما يُدّعى- منبثقان من بطن المجتمع، وأنّ الدين ليس إلا نتاجًا لحدود الجغرافيا؛ بمعنى أنّ الإنسان، حيثما وُجِد، سوف يتبنّى -بالضرورة- دين المنطقة التي يعيش فيها؟
ينسب إلى الأمام علي عليه السلام أنه قال( كُميل ليس من ماءٍ أصفى مِن دموع التائبين.. و ليس من منظرٍ أشهى من إِنحناء الساجدين) فهل يثبت عنه؟
الآية 5 من سورة التوبة والرد على شبهة العنف في القرآن
ما الآثار التي خلّفها البعد العاطفي لفاجعة كربلاء في المجتمع الشيعي وسائر المسلمين؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل