نظام الحقوق في الحكم الإسلامي، وموقع الناس في توازن المصلحة والشريعة

منذ سبعةٍ وأربعين عامًا، تشهد شوارع شهر بهمن حضورًا شعبيًّا متواصلًا ومفعمًا بالحماسة. غير أنّه، إلى جانب هذه المشاهد العظيمة، ظلّ سؤالٌ أساسيّ حاضرًا في عمق مسار الثورة:

ما هو الموقع الحقيقي للناس في بنية الحكم الديني؟

هل يشكّل حضور الأكثريّة مجرّد وسيلة لعبور المراحل الحسّاسة، أم أنّه عنصرٌ أصيل لا ينفكّ عن النظام الحقوقي في الإسلام؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من تجاوز الخطاب الإنشائيّ، والدخول في التحليل الحقوقي لبنية الحكم نفسها.

يذهب بعضهم إلى أنّ إرادة الناس في نظام الولاية تتراجع أمام الإرادة الإلهيّة. غير أنّ هذا التصوّر ناشئ من الخلط بين كشف الحقيقة وممارسة الحقّ.

فلا شكّ أنّ حقّانيّة التوحيد في مجال العقائد لا تتوقّف على رأي الأكثريّة، لكنّ الحكم وإدارة المجتمع لا ينتميان إلى دائرة اللاهوت النظري، بل إلى ميدان تنظيم الإرادات الإنسانيّة وتوجيهها.

في المنطق الأصيل للثورة الإسلاميّة، توجد مجالات يكون اتّخاذ القرار فيها حقًّا للناس أنفسهم، ولا يملك أيّ مقامٍ شرعيّ أن يحلّ محلّهم فيها. ومن هنا، فإنّ الاعتداد برأي الأكثريّة لا يعني إنتاج الحقيقة، بل يعني تحقّق الحقّ عبر إرادة أصحابه.

إنّ تاريخ الثورة يضمّ شواهد غنيّة على هذا الفهم الحقوقي، لكنّه ـ للأسف ـ لم يُقرأ بالعمق الكافي.

ومن أبرز هذه الشواهد، الخلاف الذي وقع في مطلع عقد الستّينيّات بين مجلس الشورى الإسلامي ومجلس صيانة الدستور بشأن قانون الأراضي. ففي ذلك الظرف، أكّد الإمام الخميني بوضوح حقّ المجلس في تشخيص الضرورة، وبيّن حدود الولاية بما يحفظ مجال تشخيص الموضوعات بيد الناس وممثّليهم.

وكانت الرسالة الاستراتيجيّة في تلك المرحلة واضحة المعالم:

استنباط الحكم الشرعي من شأن الفقيه، أمّا تنزيله على الواقع الاجتماعي، وتشخيص المصالح والمفاسد الخارجيّة (الموضوع‌شناسي)، فهو من حقوق المكلّفين وممثّليهم.

وفي هذا الإطار الحقوقي، يمارس الناس دورهم عبر مؤسّسات من قبيل مجلس الحلّ والعقد، حيث يكون النوّاب وكلاء عن الأمّة في تشخيص المصالح العامّة، لا مجرّد منفّذين لإرادة فوقيّة.

وبناءً على نظريّة الخطابات القانونيّة، فإنّ تشخيص المصلحة الجارية وتطبيق الحكم على مصاديقه الخارجيّة هو حقّ أصيل للناس.

كما أنّ الولاية المطلقة لا تعني إلغاء الإرادة العامّة، بل تمثّل آليّة لرفع العوائق أمام تحقّق المصلحة العامّة، وتمهيد مسار نموّ المجتمع. وإنّ تعطيل هذه الآليّات الحقوقيّة يؤدّي إلى فقدان نظام الحكم اعتباره الوظيفي.

وعليه، فإنّ الأكثريّة في العقلانيّة السياسيّة الإسلاميّة ليست عنصرًا ثانويًّا، بل هي ـ بتعبير الميرزا النائيني ـ مقدّمة واجبة لتحقّق العدالة.

فالنظام الحقوقي في الإسلام يقوم على حقوقٍ مجعولة للإنسان، ويُعدّ تأييد الأكثريّة جزءًا من علّة اعتبار نظام الحكم.

وبعبارة أوضح:

إذا أُقصي الناس عن عمليّة صناعة القرار، فلن تتعطّل مسيرة التقدّم فحسب، بل يفقد نظام الحكم أيضًا شرعيّته العمليّة وكفاءته الاجتماعيّة.

وفي الختام، يمكن القول إنّ صمود هذه النهضة طوال سبعةٍ وأربعين عامًا إنّما كان ثمرة الاعتراف الحقيقي بإرادة الناس ودورهم.

فإنّ نظام الحكم الإسلامي يبلغ كماله حين لا يُتصوَّر تعارض بين الولاية الإلهيّة والإرادة الشعبيّة.

وإنّ الثورة الإسلاميّة، من أجل صيانة مستقبلها، أحوج ما تكون اليوم إلى استعادة هذا التأسيس الحقوقي الواضح؛ تأسيسٍ تكون فيه إرادة الأكثريّة هي المرجع في إدارة الشأن العام، والضامن لتحقيق المصلحة العامّة.

إنّ الحكم المستقرّ والمستدام لا يقوم إلّا على أرضيّة راسخة من حقّ الناس في تقرير مصيرهم.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل