تديين السياسة أم تسييس الدين؛ أيّهما هي السياسة العلويّة؟

في الرؤية العلويّة، يكون الوحي هو الحكم النهائي بين العقل السليم والعقل الذي وقع في أسر المصالح الشخصيّة والجماعيّة. السياسة الدينيّة تعني هداية العقل بالوحي، لا تعطيله.

بحسب تقرير وكالة أنباء «حوزة»، فإنّ شهر رمضان المبارك فرصة للتعرّف على كنزٍ فريد من الحكمة والبصيرة العلويّة. وفي الملفّ الخاص «الضيافة العلويّة»، سنكون – مع نخبة المثقّفين – ضيوف موائد إفطاركم من خلال مقاطع من خُطب نهج البلاغة، ببيان حجّة الإسلام والمسلمين محمود لطيفي، الخبير في نهج البلاغة.

ومن الخلافات الأخرى بين السياسة العلويّة والسياسة الأُمويّة: هل نحن بصدد تديين السياسة أم بصدد تسييس الدين؟ وهو خلاف يُطرح اليوم على نطاق واسع.

إنّ الأنبياء الإلهيّين جاؤوا لهداية عقل البشر في مسار الصلاح والصواب. لقد أنعم الله تبارك وتعالى على الإنسان بالعقل ليدبّر به شؤون حياته. غير أنّ هذا العقل يقع أحيانًا تحت هيمنة المصالح الفرديّة، الشخصيّة، القبليّة أو الحزبيّة، فيحدث الخلط بين العقل الحقيقي والعقل الذي يعمل تحت غطاء المصالح.

ففي مثل هذه الحالة، ما الذي ينبغي أن يكون الحكم؟ الحكم هو للوحي والدين. فالدين يأتي ليفصل ويحكم. الأحزاب والجماعات السياسيّة في المجتمع تختلف في الآراء، وهذا أمر طبيعي.

قد يتمكّن بعض الناس، بالاستناد إلى البرهان العقلي، من الوصول إلى الطريق والمنهج الصحيح. لكن في المقابل، هناك أحزاب وجماعات أخرى تضع سياساتها على أساس مصالحها الخاصّة. وهنا ينشأ التعارض. فمن الذي ينبغي أن يحلّ هذا التعارض؟ لا يوجد طريق آخر أمام البشر لحلّ هذا التعارض سوى الوحي الإلهي وأمر الله.

وبالطبع، لا يُقصد بذلك أنّ العقل عاجز – أبدًا – فالعقل لديه القدرة. لكنّه، في الوقت نفسه، قد يقع أحيانًا في قبضة الشهوة والغضب والمصالح الشخصيّة. وقد كانت المجتمعات البشريّة دائمًا كذلك ولا تزال. وما الذي يستطيع أن يهدي العقل وينقذه من قبضة المصالح الشخصيّة؟ ليس هناك شيء سوى الوحي. وهذا هو معنى السياسة الدينيّة.

فهل ينبغي أن يكون تخطيط المجتمع وإدارته على أساس الدين والأوامر الإلهيّة؟ أم أن نتسمّى باسم الدين، ونرتدي لباسه ورداءه، ونتزيّن بوجهه واسمه، لكننا في الواقع نسلك طريقنا الخاص، ونجعل عقولنا وحدها هي الموجّه والمرشد، ولا نقبل بسواها؟

هذه هي المسألة الأساسيّة والفارق الجوهري بين السياسة العلويّة والسياسة الأُمويّة؛ أو بعبارة أخرى: السياسة الإلهيّة في مقابل السياسة الشيطانيّة. لقد أرسل الله تبارك وتعالى الأنبياء لهداية عقل الإنسان – وأؤكّد هنا: لهداية العقل، لا تعطيله، ولا الحكم بنقصانه – غير أنّ عقل البشر، باختلاف الأفراد والمجتمعات، قابل للتأثّر؛ إذ يتأثّر بأنماط الحياة وبالخصائص النفسيّة للأشخاص. فالعقل بيد الإنسان، والإنسان يملك الشهوة والغضب والمصالح والمنافع المتعدّدة، ويقيس كلّ ذلك بعقله.

لكن قد يقع أحيانًا خلاف بيني وبين صديقي أو أخي. وهنا يأتي الوحي ليفصل ويحكم بين السياسة الصحيحة والسياسة الباطلة، وبين الاختيار الصحيح والاختيار الخاطئ.

ومن هنا، ينبغي للوحي أن يدير الحياة؛ أي أن يكون هو الحَكَم بين الحقّ والباطل، وبين الصواب والخطأ، وأن يميّز الخالص من الزائف. وهذا هو الأمر الذي أصرّ عليه عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وجميع الأنبياء وأولياء الله: أن تكون السياسات دينيّة.

الجهة الأخرى
وفي الجهة المقابلة، هناك أناس يرتدون لباس الدين، لكنهم يعملون وفق استبداد آرائهم، ويعتبرون رأيهم حجة. وكلما حدثت واقعة أو ظهر تيار، اجتهدوا لأنفسهم فيما يرونه مصلحة، غير مبالين بالقانون الإلهي وأوامر الله؛ دون اكتراث بما سيحدث أو بما هو مطلوب منهم حقًا.

ورد في حديث من الخطبة 126 من نهج البلاغة أنَّه قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام):

إن معاوية يُعطي الأشراف امتيازات خاصة في العطاء وتقسيم بيت المال، فيجذبهم إليه، وبجذبهم ينجذب أتباعهم وعشائرهم، فيكثر أنصاره دائمًا.

فقالوا: يا علي، افعل أنت أيضًا مثل ذلك.

والحديث طويل وجميل جدًا. فقد تشاور الإمام مع مالك الأشتر حول سبب تفرّق الناس. وبعد أن استأذن مالك، قال: إن معاوية يمنح الأشراف امتيازات فيجذبهم إليه، وأنت لا تفعل ذلك.

فأجاب أمير المؤمنين (عليه السلام):

«أَتَأْمُرُونِي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ؟» أي: أتأمرونني أن أطلب النصر بالظلم؟!

هذه هي السياسة العلوية. فلم يقبل الإمام قطّ أن يسلك هذا الطريق. وفي الحوار نفسه مع مالك، كما ورد في كتاب «الغارات»، قال (عليه السلام): لو كان هذا المال مالي الشخصي، لقسمته بين الناس بالعدل، فكيف وهو مال الناس أنفسهم؟! كيف يمكنني أن أفرّق في أموالهم بين شخص وآخر؟ أأخصّ الأشراف بشيء وأغفل غيرهم؟

إن هذا عند عليٍّ أمرٌ مستحيل؛ لأنه لا يمكن تجاوز العدالة أو التغاضي عنها. هذا هو نهج أمير المؤمنين. أما في المقابل، فنهج معاوية كان شيئًا آخر. ولهذا كان بعض الناس يقترحون على الإمام أن يفعل كما يفعل معاوية، لكنه قال:

«أَتَأْمُرُونِي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ؟»

أي: أتأمرونني أن أحقق النصر بالظلم؟ أأظلم من أنا وليّ أمرهم، ومدير شؤونهم، وقائدهم وإمامهم، لكي أنتصر أو أنجح؟

ثم قال:

«وَاللَّهِ لَا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ»

أي: والله لا أجعل الظلم منهجًا لي ما دام في السماء نجم يدور. إن هذا الأمر بالنسبة لي مستحيل، ولن يحدث أبدًا.

هذا هو معنى السياسة الدينية: سياسة قائمة على العدالة الإلهية، وعلى أوامر الله ووحيه، وهو الهدف الذي جاء به الأنبياء.

وفي المقابل، هناك «دين سياسي»؛ أي دين موجود، لكن يُدار وفق السياسة والعقل الشخصي.

يوم وقعت حادثة السقيفة، عاد بعضهم وقالوا: صحيح أن النبي عيّن شخصًا معينًا لهذا المنصب، لكن الناس لا يقبلونه؛ لأنه قتل كثيرين، ولأنه شاب، ولأسباب أخرى. فالأفضل أن نختار غيره.

وقد قال ابن أبي الحديد، وهو من شُرّاح نهج البلاغة، في هذا الشأن: إن الناس أحسنوا الاختيار في اجتهادهم ومراعاتهم للمصلحة! وكأن النبي لم يكن يراعي المصلحة، وهم الذين كانوا أحرص على ذلك!

وهذا وجه آخر من وجوه الاختلاف بين السياسة الأموية والسياسة العلوية.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

السؤال: هل يعلم الأئمّة (عليهم السلام) وقت ظهور الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه)؟
الردّ على ثلاث شبهات شائعة حول الحجاب
الأحكام الشرعية | نشر الكذب والأباطيل
السؤال: هل ستكون عائلتي بجانبي في الجنة؟
هل أن اولاد غير المسلمين غیر شرعیین؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل