هل يمكن للإنسان من -خلال تقييد نفسه- أن يزداد حرّيّة؟

يمكن الإجابة عن السؤال المطروح في ثلاث خطوات:

1. وَهْم «الحرية المطلقة» وحتمية القيد
لا وجود لحرية بلا قيد. إن ماهية حياة الإنسان في هذا العالم هي ماهية الاختيار. فأنت في كل لحظة، حين تختار طريقًا، تقول في الوقت نفسه «لا» لعشرات الطرق الأخرى، وتحرم نفسك منها (أي تقيّد نفسك عنها). لذلك فالقضية ليست: «هل نتقيّد أم لا؟»
بل السؤال الجوهري هو: «أيَّ قيدٍ نختار؟ وأيُّ القيود أجدر بالاختيار؟»

2. نوعية القيود: المُحرِّر منها والمُستعبِد
القيود نوعان:

  • قيدٌ مُفضٍ إلى العبودية:
    الشخص الذي يتعاطى المخدرات قد يظنّ نفسه لحظة الاختيار حرًّا في تجربة لذّة ما؛ غير أن هذا الاختيار في حقيقته شطبٌ لكل حرياته المستقبلية. فهو يسلّم إرادته لمادة كيميائية، ويتحوّل إلى عبدٍ لاحتياجات جسده المتلاحقة لحظةً بلحظة. في الظاهر كان الأمر حرية («أنا أردتُ ذلك»)، لكنّه يكتشف لاحقًا أن الأمر لم يعد بيده، وأنه أصبح أسير المخدّر. هذا النوع من القيود هو من تلك الاختيارات التي تلد قيودًا أكثر، وتورث الاستعباد.
  • قيدٌ مُنتِج للحرية:
    ولو أن الشخص نفسه اختار الرياضة والصحّة، لكان — رغم أنه قيّد نفسه بتحمّل مشقّات — قد نال حريةً أوسع مما لو اختار المخدرات. فالرياضي يحرم نفسه نوم الصباح، والطعام الدسم، وراحة الجسد (أي يفرض على نفسه قيودًا صارمة).
    لكن ما جزاء هذا القيد المُحرِّر؟ جسدٌ في المستقبل أقوى، وأصحّ، وأكثر تحررًا من الأمراض. لقد حافظ — بقيدٍ قصير الأمد — على مدى قوته وحريته، بل رفع جودتهما.

3. الصوم: نموذج القيد المُحرِّر

الصوم يماثل تمامًا «الرياضة» ولكن للروح والنفس. فعندما نقيّد شهواتنا أو حتى حاجاتنا الطبيعية (كالجوع والعطش)، فإننا نصنع «مسافة» بيننا وبين غرائزنا؛ وهذه المسافة هي التي تُهيِّئ الإنسان للتوقّف عند المنعطفات الصعبة.

فالإنسان المُبرمَج على الاستجابة الفورية يتفاعل بمجرد شعوره بالحاجة (كالكائن الذي تحكمه الدوافع)، أمّا من تمرّن بالصوم فيتعلّم أن يضغط على «مكابح الداخل» عند اشتداد الضغط. وفي لحظة التوقّف هذه تولد الإرادة الحرّة، ومنبع القيم الأخلاقية. هناك ينال الإنسان حرية التحرر من «حتمية الغرائز العمياء» ليختار على أساس «مبادئ أسمى وقيم أرفع».

الصوم تدريبٌ أصيل على تأجيل اللذة؛ والقدرة على تأجيل اللذة هي أساس كثير من الحريات: كبح الغضب، ضبط الشهوة، ضبط الإسراف، ضبط اللسان… إلخ.

وفي المصادر الدينية تُعرَّف العبودية الحقيقية بأنها عبودية النفس؛ أي أن تتحوّل الميول إلى قادةٍ يأمرون. وقد صرّح القرآن الكريم بأن أعظم سجّانٍ للإنسان هو هوى نفسه إذا تُرك بلا ضبط:
«أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ».

فمن كان عبدًا لبطنه أو لشهوته أو لمنصبه، فكيف يدّعي الحرية؟
الصوم يعكس الاتجاه تمامًا: ليكون الله هو القائد، لا الهوى.

الخلاصة:
الحرية المطلقة مستحيلة للإنسان؛ لأن الحياة اختيار، وكل اختيار قيدٌ من نوعٍ ما. فالمسألة ليست: «هل نقيّد أنفسنا أم لا؟» بل: «أيَّ قيدٍ نختار؟»
فبعض القيود يستعبد ويصادر الإرادة تدريجيًا (كالإدمان)، وبعضها يحرّر ويُنمّي القدرة على الاختيار (كالرياضة). والصوم مثالٌ جليّ للقيد المُحرِّر: إذ يوسّع المسافة بين الإنسان وغرائزه، ويقوّي ملكة ضبط الرغبة وتأجيل اللذة، فيعتق الإنسان من أسر النفس وجبر الدوافع العمياء، ليختار وفق القيم العليا والأمر الإلهي، ويسلك سبيل القرب.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

أحكام شهر رمضان | استمرار النيّة شرطٌ أساس في صحّة الصوم
السؤال : هل فعلا يوجد مع الامام المهدي المنتظر "عليه السلام" في غيبته أشخاص عددهم ثلاثون يسمون الاوتاد او الابدال ؟
أحكام رمضان | ثلاث استثناءات مهمّة في قاعدة نيّة الصوم
الأحكام الشرعية | نشر الكذب والأباطيل
سورة الحشر، آية 18، صفحة 584 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ . لماذا تكررت واتقوا الله في نفس الآية؟

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل