في مقاطع من دعاء الجوشن الكبير، يُخاطب الله تعالى بجلاء رحمته وقدرته: الغافر للخطايا، الكاشف للبلايا، نهاية الرجاء، المعطي للعطايا العظيمة، الواهب للهدايا، الرازق للبرّ، القاضي للمنايا، السامع للشكايا، الباعث للأحياء، والمطلق للأسرى. إنه الذي يرزق ويقضي الأجل، ويستمع لشكاوى المخلوقين، ويبعث الناس ويحرر الأسرى الروحيين والجسديين؛ فهو يرفع البلاء ويزيحه، ويمنح جزاء الصابرين بفضله الذي لا يُحصى.
وبحسب وكالة الحوزة، يُعد دعاء الجوشن الكبير من الأدعية البارزة والمعتبرة عند الشيعة، وقد ورد نقله في مؤلفات مثل إقبال الأعمال ومصباح المتهجد، واحتل مكانة مرموقة في مفاتيح الجنان. ويكتسب هذا الدعاء أهمية خاصة في ليالي القدر، ومحوره الأساسي هو ذكر: «خَلِّصنا مِنَ النار»، أي طلب النجاة من النار وطلب المغفرة الإلهية.
«يَا غافِرَ الْخَطايا، يَا كاشِفَ الْبَلایا، يَا مُنْتَهَی الرَّجایَا، يَا مُجْزِلَ الْعَطایَا، يَا واهِبَ الْهَدایَا، يَا رازِقَ الْبَرایا، يَا قَاضِیَ الْمَنایا، يَا سَامِعَ الشَّکَایا، يَا بَاعِثَ الْبَرایا، يَا مُطْلِقَ الْأُساریٰ»
في هذا المقطع، يُركَّز على مغفرة الله تعالى، وبذله العطاء برفع المشكلات والابتلاءات، وكذلك على قدرته على البعث والنشور والتحرير. وهذه الصفات مجتمعة تُعرّف الإنسان بقوة الله وعظمته ورحمته.
يَا غَافِرَ الْخَطايا
أي يا غافر الخطايا. فيما يتعلق بالمغفرة، ناقشنا سابقًا عدة مرات كيف أن الله تعالى يغمر عباده برحمته ويصبر على ذنوبهم ويغفرها قدر الإمكان. إذا تاب العبد، يُغفر له كل ذنب. وإذا لم يتب، فقد يُغفر له الكبائر ما عدا الشرك. وإذا لم يرتكب الكبائر، فبالتأكيد يُغفر له الصغائر. حتى الدعاء من الآخرين، أو شهادة أربعين مؤمنًا، وطلب المغفرة نيابة عنه، قد تؤدي إلى مغفرته. خلاصة القول: إن الله تعالى غافر جدًا، لا يملّ من المغفرة ولا ينقطع عن الرحمة.
یَا كاشِفَ الْبَلایا
أي يا كاشف البلایا ورافعها. كشف البلایا يعني أن البلایا تُزال كما يُزال السحاب الكثيف الذي يغشي السماء ويظلم الحياة، فيُبدل الظلام والابتلاء بنور العافية والطمأنينة. وقد ذُكر سابقًا أن الله تعالى يمنع كثيرًا من الابتلاءات قبل وقوعها ويُحفظنا منها، وما يقع منها يُزال بقدرته. وإذا لم يزل مباشرة من قبل الله، فهناك وسائل روحية من قبيل الدعاء، والتوسل، والصدقة، التي قد تُزيل كثيرًا من هذه البلایا. وإذا كانت هناك بلایا لا يمكن رفعها في الدنيا لأي سبب، فإن الله تعالى يعوض المؤمن في يوم القيامة بما يجعل قلبه مسرورًا وراضيًا، حتى ليحس بالندم لو أن بعض هذه الابتلاءات التي رفعت بالدعاء لم تُرفع.
فضل الصبر على البلایا
روى الإمام الصادق عليه السلام أن المؤمن حين يرى مقدار الأجر والثواب الذي يمنحه الله تعالى على الدعاء غير المستجاب، يقول: “ليت دعواتي في الدنيا لم تُستجب”.
كما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن من ابتُلي وصبر، حين يرى ما سيُعطاه في يوم القيامة يقول: “ليت جسدي قُطع في الدنيا وكنت صابرًا”. أي أنه لا يندم على المصيبة التي أصابته بل يطلب زيادة الابتلاء ليزداد صبره، ويدرك أن الصبر في الآخرة يرفع الإنسان أكثر من الأعمال الصالحة.
وقد ذكر الشهيد الثاني في كتابه مسكن الفؤاد عند فقد الأحبة والأولاد أن ابتلاءه بعد وفاة ابنه جعله يكتب هذا الكتاب ليكون مصدرًا للسكينة والطمأنينة لنفسه، وللآخرين في مثل هذه الظروف. ومن أبرز الروايات التي ذكرها عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله:
«إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مَنْزِلَةٌ وَلَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلٍ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ ثُمَّ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»
ففي علم الله تعالى قد يكون للعبد مقام رفيع لم يُبلغه بعباداته من صلاة وصوم وحج، ولكنه يصل إليه بالابتلاءات والمصائب التي يتحملها بصبره. وفعل الواجبات وترك المحرمات أمر مهم، لكنه أيضًا يُمهد للصبر ويزيد قدرة الإنسان على التحمل، فالصبر هو الذي يرفع الإنسان حقًا ويجعله يعلو مقامًا. وقد جاء في القرآن الكريم:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
فالله تعالى يجزي الصابرين بلا حساب، أي بلا حدود أو قيود.
إذن، البلایا إما أن تُرفع قبل حدوثها (دفع) أو بعد حدوثها (رفع). والدفع يعني منع وقوع البلاء، والرفع يعني إزالة ما وقع بالفعل. والله تعالى يرفع البلایا ويكشفها، ويُجازي على التحمل والصبر.
یَا مُنْتَهَی الرَّجایَا
أي يا غاية الآمال والأرجاء. «رجاء» تعني الأمل. وأملنا في النهاية يجب أن يكون موجهًا إلى الله تعالى. إذا كان عندنا أمل في أن يقوم أحد بفعل شيء لنا، أو أن يحصل أمر يحقق مصلحتنا أو يحل مشكلتنا، فإن أصل كل ذلك وغاية كل أمل هو أن الله تعالى هو القادر على تحقيقه. أملنا الأول والأخير يجب أن يكون في الله عز وجل.
الأمل هو علامة وثمرة من ثمار الإيمان. فإذا وُجد الإيمان في القلب، وُجد الأمل حتمًا. فالإيمان والأمل لا ينفكّان عن بعضهما، ولا يمكن للإنسان أن يؤمن بالله وبجهازه العظيم المبني على العلم والحكمة والرحمة، ثم يكون يائسًا.
لتوضيح المعنى، تخيل أنك تعمل في إدارة، ورئيس هذه الإدارة هو والدك، وجميع العاملين فيها مطيعون ومتعاونون معه، فما الذي يدعو للقلق؟ حتى لو كانت هناك أعمال شاقة، فالأمور تسير وفق نظام محدد، وفي النهاية تعرف أن من أراد أن يظلمك أو يضرّك، فالرئيس موجود ليصلح الأمور ويأخذ بحقك. هكذا المؤمن إذا كان مؤمنًا، يكون عنده أمل دائم، وكلما ازداد أمله، دلّ ذلك على إدراكه الأوسع لرحمة الله وقدرته العظيمة.
اليأس أداة الشيطان
إذا انتُزع الأمل من قلب الإنسان، فإن اليأس يهلكه. واليأس من أدوات الجنود التابعة للشيطان. فالإنسان اليائس يسلم نفسه للأحداث، لا يقاوم، ولا يبذل جهدًا، وهذا أسوأ حالاته؛ كأن يكون نظام مقاومته قد تعطّل.
كمثال، كمن يريد اللصوص اقتحام محل ذهب، ويقومون بإيقاف الإنذار والكاميرات، فيستطيعون سرقة كل ما يريدون بسهولة. كذلك الشيطان يسعى بأن يزرع اليأس فينا ليقضي على كل جهودنا، سواء كانت جهود وقائية أو جهود لتحقيق أهدافنا.
مثال آخر، لو فقد الطاقم الطبي في مستشفى أمله في إنقاذ المرضى، فلن يستطيع القيام بأي عمل فعّال، ولن يبذل جهدًا، وحتى إذا اضطر قانونيًا أو ظاهرًا للعمل، فلن تكون نتائج عمله صحيحة أو فعّالة. أما إذا بقي لديه أمل ولو صغير، فسيسعى ويجتهد ويعمل ويقول: ربما ينجح، وقد يُنقذ حياة شخص واحد إضافية.
یَا مُجْزِلَ الْعَطایَا
أي يا من تُعطي العطايا الكثيرة والعظيمة. والجزیل تعني الكبير والعظيم. فالله تعالى لا يهب فقط، بل يمنح هدايا عظيمة وكبيرة، وأيضًا يمنح الهدايا الصغيرة التي يحتاجها العبد. ولعظمة حكمته، يعطي ما يحتاجه كل إنسان بحسب مقتضى أمره. كما في بعض المتاجر الكبيرة التي تبيع كل شيء من الملح والفلفل وعيدان الأسنان، إلى الأجهزة المنزلية كالغسالات والثلاجات والملابس، هكذا الله يعطي كل ما يحتاجه الإنسان، مهما كان صغيرًا أو كبيرًا.
وقد أخبر الله موسى عليه السلام: «اطلب حتى ملح طعامك مني». ومن جهة أخرى، يمكن للعبد أن يسأل الله ما يشاء، بل يمكن أن يطلب من الله ما هو أعظم من الجنة، أو يطلب ذاته سبحانه. فالحدود للهدايا الإلهية غير موجودة، فهي بلا حدود.
یَا واهِبَ الْهَدایَا
أي يا مُعطي الهدايا والعطايا. هذه هي صفتك ومرامك، أن تُعطي دون توقف.
یَا رازِقَ الْبَرایا
أي يا من يرزق المخلوقات. والرزق هنا شامل: رزق مادي وروحي، في الدنيا والآخرة. وبعض الرزق عام لكل الناس، وبعضه خاص لمن يستجيب لدعوة الله للخير والإحسان.
یَا قَاضِیَ الْمَنایا
أي يا محدد ومقرر الممات والوفاة. الله سبحانه هو الذي يحيي ويميت ويبعث. لا أحد سواه يمكنه أن يمنح الحياة أو يسلبها. فهو وحده صاحب القرار النهائي في جميع مسائل الموت.
یَا سَامِعَ الشَّکَایا
أي يا من يسمع شكاوى المظلومين والمحتاجين. سواء كان الطفل صغيرًا، أو الغريب، أو الأسير، أو السجين المظلوم، أو المسافر التائه، فلا فرق عنده. كل شكوى، وكل ظلم، وكل مضايقة يتعرض لها أحد، يمكن أن يقدمها إلى الله تعالى، وهو يسمع.
یَا بَاعِثَ الْبَرایا
أي يا من يبعث الناس ويحييهم. الله تعالى يبعث جميع الناس منذ أول الخلق إلى آخر الزمان، ويحاسبهم ويقوم بتقدير أعمالهم.
یَا مُطْلِقَ الأُساری
أي يا من يحرر الأسرى. والأسير لا يقتصر على الأسر الجسدي فقط، بل هناك أسر فكرية وروحية وثقافية. كل من يقيد عمله أو تفكيره أو تعلقاته تحت سيطرة شخص أو جماعة، فهو أسير حقًا.
الله تعالى يحب أن يكون الإنسان حرًا. فعن أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تَكُنْ عَبْدَ غَیْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرّا»
فالخلاصة: الله يريد أن يتحرر كل من هو أسير، سواء أكان أسرًا جسديًا أو فكرًا وثقافة. ففي القرآن حيث تحدث عن النبوة والبعثة، قال الله تعالى عن النبي محمد ﷺ: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾
فهذا يبين أن الثقافة الجاهلية نفسها كانت نوعًا من الأغلال على الناس. صحيح أن بعض الأغلال كانت جسدية كالعبودية، لكن الأغلال الفكرية كانت أكثر انتشارًا، وقد جاء الدين لتحرير العقول والقلوب أيضًا.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





