السؤال الذي يشغل أذهان الجميع في حرب رمضان هذا العام هو هذا السؤال المتكرر: هل سننتصر في الدفاع عن الثورة الإسلامية الإيرانية، أصحاب الهمم العالية، في مواجهة الشيطان الأكبر والصهيونية الحقيرة؟ أم أنّ هناك احتمالات أخرى من قبيل التكهنات السياسية أو الخيالات المادية، يمكن أن تمنع سكينة قلب الإنسان المؤمن والمستعد، وتوقع الشعب الثوري في أسر اليأس والقنوط والخوف الاستسلامي؟
وهل يوجد طريق أو إرشاد يمكن أن يوصِل إلى الثبات والطمأنينة لأهل الإيمان بالآخرة وسكان هذا الطريق، بحيث يقدّم جوابًا كافيًا وضمانةً وافيةً تدعم قلوب المنتظرين؟
كما يطرح سؤالٌ آخر أيضًا: كيف تُدار القوانين الحاكمة على نظام الوجود وشؤون سكان الأرض، وبإدارة مَن تُدبَّر وتُوزَّع، بحيث توفّر لقلوب المنتظرين — بدل إنتاج خوفٍ مُحطِّم وقبولٍ بالظلم — جرأةً وشجاعةً إيمانية؟
جواب القرآن الحكيم على أسئلة وشبهات البشر
لماذا يقول الله الحكيم في القرآن: إنّني أنا ورسلي منتصرون؟ وهل هذا النوع من الإخبار والإعلام مفيد ومؤثّر لكلّ البشر في العالم، أم أنّ له مخاطبين خاصّين؟
﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
أي: إنّ الله قد حكم وقضى بأنّني أنا ورسلي سنغلب الكافرين والمنافقين، إنّ الله قويّ لا يُغلَب.
وقد تكرّر في القرآن الكريم هذا الوعد والبشارة مرارًا:
﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾؛ أي إنّ هذا قانون إلهي قطعي، وهو أنّ طريق الأنبياء سوف ينتصر ويغلب، ولا مجال بعد ذلك للنقاش فيه.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي إنّ الله يدافع عن الذين آمنوا، والله لا يحبّ أي خائنٍ كفور، بل سيدافع عن المؤمنين؛ ولا يوجد في هذا الحكم أيّ شكّ أو تردّد.
﴿وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾؛ أي إنّنا نريد أن نَمُنَّ على المستضعفين في الأرض، وأن نجعلهم أئمّةً وورثةً للأرض.
وفي هذا البيان — حيث إنّ المستضعف بحسب تعبير القائد الشهيد هو كلمة مفتاحيّة قرآنية تقابل المستكبر — والمقصود به أولئك الذين منعهم الظالمون من تفتّح طاقاتهم واستعداداتهم؛ لا يوجد أيّ شكّ، بل هو وعدٌ إلهيّ قطعيّ وحتميّ من الله تعالى.
قانون اتحاد العقل والقلب في الإنسان
إنّ هذه الاستراتيجية القرآنية تُعدّ طريقًا هاديًا يمكّن الإنسان من الخروج من مختلف أنواع الاكتئاب، وكذلك من الأمراض الناشئة عنه مثل أشكال الجنون المتنوعة في الحياة الفردية والجماعية للبشر. والأهم من ذلك أنّها تُبطل الأسس التي تقوم عليها علوم الإنسان المعاصرة في فهم طبيعة الإنسان.
وفي نظرية وحدة عقل الإنسان مع قلبه يقول القرآن العظيم:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾؛
أي: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها الحقيقة، أو آذان يسمعون بها الحقيقة؟ فإنّ العمى ليس عمى الأبصار، بل عمى القلوب التي في الصدور.
القلب الباطني والإلهام السماوي
وبالالتفات إلى هذه المجموعة من الآيات الشافية في القرآن الكريم يمكن استنتاج أنّ العمى الظاهري الجسدي — وهو أمر مؤقّت ومحدود، بل إنّ الإنسان فيه أضعف من الحيوانات — لا يفضي بالإنسان إلى الحروب أو إيذاء الأطفال أو قتلهم أو أكلهم؛ بل إنّ القلب المنفصل عن الإلهام الإلهي هو الذي يعطّل عقل الإنسان، ويحوّله إلى عقلٍ أسيرٍ للشيطان، فيدفع الإنسان في لحظات الوحدة والحيرة — من دون وليٍّ منقذٍ أو راعٍ هادٍ — إلى طريق الهلاك.
وفوق ذلك يجعله رهينةً بيد الشيطانيين، ويدفعه إلى مدرسة الظاهرية وإلى خسران رأس المال الباقي.
ولإثبات أنّ عقل الإنسان وقلبه غير قابلين للانفصال يمكن الاستناد إلى قانون الضدّ؛ إذ إنّ الله المنتقم قد أعلن وأظهر أنّ كثيرًا من أعدائه، بعد انقطاع الإلهامات التي تصلهم بالطاقة اللامتناهية في مقام الإنسان وفي نظام الوجود، ومع انطفاء نور العقل، ينتهون إلى الانتحار.
وذلك لأنّ أنواع الانتحار كلّها تُعدّ من مظاهر انتقام الله ذي الانتقام بسبب نسيان الله؛ إذ إنّ الظالمين في نهاية المطاف لا يعودون يحبّون أنفسهم، بل يغرقون في الكراهية المطلقة، وينتقلون من الأنانية إلى فراغٍ لا متناهٍ وخواءٍ تام.
ما هي سنّة الله؟
السنّة الإلهية هي تلك الرموز الكامنة في نظام الوجود التي تقوم عليها قوانين العلم المادي والمعنوي؛ ومخالفتها تساوي التخريب والفساد. وذلك لأنّ الخلق والإيجاد وإقامة هذه الرموز في عالم الوجود ليست بيد البشر ولا بيد سائر الموجودات حتى يتمكنوا من تغييرها أو تحويلها أو تبديلها. وصحّة هذا الادعاء وسلامته يمكن إثباتهما بوضوح من خلال هلاك الإنسان وسائر الكائنات في صفحات التاريخ.
وقد وردت السنّة الإلهية في السورة المباركة:
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (38)
والشمس تجري نحو مستقرّها؛ وذلك هو تقدير الله العزيز العليم.
﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (39)
وقد جعلنا للقمر منازل معيّنة حتى يعود كالعِرجون القديم.
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (40)
لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر، ولا الليل يسبق النهار؛ وكلٌّ منهم يسبح في فلكٍ ومدارٍ معيّن.
سنّة الله في المجتمع البشري
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 62)
فالسنّة في عالم الوجود هي الطريقة والأمر الإلهي المتعلّق بمن سبقوا من الأمم، الذين هلكوا بسبب ظلمهم؛ إذ كانوا يتعاملون بظلم مع الأنبياء والمؤمنين. ولن تجد أبدًا لسنّة الله وطريقته (في الانتقام الإلهي) تغييرًا أو تحويلًا أو تبديلًا.
وبالنظر إلى هذه السنّة الإلهية الثابتة غير المتغيّرة، فإنّ النظام الظالم المتمثّل في أمريكا وإسرائيل وداعميهما — ومن أعظم جرائمهم استشهاد قائد الأمة الإسلامية حضرة آية الله العظمى خامنئي رضوان الله تعالى عليه والأطفال الأبرياء — فإنّ مصيره محتوم وقطعي، كما قال لسان الغيب:
«دَوْرُ الفَلَكِ كُلُّهُ عَلَى مَنْهَجِ العَدْلِ؛ فَكُنْ مُطْمَئِنًّا أَنَّ الظَّالِمَ لَنْ يَصِلَ إِلَى مَنْزِلِهِ.»
اتحاد العقل والقلب في حياة القائد الشهيد
في استشهاد الإمام الشهيد بطل الثورة الإسلامية، حضرة آية الله العظمى خامنئي رضوان الله تعالى عليه، تتجلّى ظاهرة قرآنية لافتة؛ إذ إنّ سماحته منذ أن وُضعت على عاتقه مسؤولية القيادة لم يكتفِ بما كان عليه سابقًا، بل قيّد نفسه أكثر من ذي قبل وامتنع عن الأطعمة اللذيذة والمتع التي لا تتوافر للمحرومين في المجتمع. وهذا الزهد القرآني، الناشئ من الإلهامات الإلهية التي تفيض على قلبه، هو الذي جعل دماء الأحرار في العالم تغلي وتفور عند استشهاده البطولي، كما جعل الانتقام الإلهي من أعدائه أمرًا مسجَّلًا ومحتومًا من قِبل خالق الوجود.
ولدى بعض مريديه وكثير من الناس في العالم سؤالٌ مفاده: لماذا استُشهد في مكتبه، وبصحبة أسرته الكريمة، مع أنّه كان يمكن توفير الحماية له من الاغتيال؟
إنّ هذا السؤال نفسه يُعدّ شاهدًا على أنّه كان عادلًا حقيقيًا؛ لأنّه أدرك بعمق حلاوة اتحاد العقل والقلب المستمدّ من القرآن والعترة، فجسّد ذلك في حياته العملية، بحيث كان يرى نفسه في القضايا الإنسانية والأحداث الاجتماعية كأحد سائر أفراد الناس.
ذلك لأنّ الحاكم في الإسلام الحقيقي هو من يؤسّس حياته على اتحاد العقل والقلب، بحيث يجد إلهه هو إله أمته، ويعي ذلك إدراكًا تامًا.
متى تنتهي الحرب؟
إنّ الثورة الإسلامية منذ عام 1979م (1348هـ ش) تخوض حربًا لا هوادة فيها في مواجهة الظلم العالمي، وكذلك في مواجهة الجبهة الدولية للباطل. وهذا يعني أنّ الكفر العالمي لن يدرك بطلانه ولن يتوقف إلا عندما يواجه حكومة العدل المهدوية مواجهةً وجدانية واقعية أمامه؛ وإلا فإنّه، بدافع النفس الخاضعة للشيطان، سيواصل قتال أهل الإيمان كلما سنحت له فرصة. ذلك لأنّ قيادتهم خاضعة للشيطان، وهو الذي سيُذبح ويُقضى عليه في دولة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه).
خداع دعوات وقف إطلاق النار والمفاوضات من قبل الأعداء
إنّ سبب مطالبة أمريكا وإسرائيل بوقف إطلاق النار لا يعود إلى يقظةٍ ضميرية أو تراجعٍ عن الفساد والانحراف، بل إلى رغبتهم في إعادة تجهيز أنفسهم ومواصلة الحرب ضد أهل الإيمان بجرائم جديدة أكثر تدميرًا.
ويُظهر السجلّ التاريخي للصهيونية أنّهم عندما ييأسون من المواجهة العسكرية الصلبة ينتقلون إلى الحرب الناعمة والإعلامية — أي إلى ما يشبه السحر وصناعة الشبهات — وذلك لتهيئة الظروف من جديد للعودة إلى المواجهة الصلبة؛ لأنهم يرون أنّ وجودهم وهويتهم يفقدان معناهما من دون الحرب.
أدبيات الشعب بعد استشهاد الإمام الشهيد
من بين آلاف الآثار الحضارية التي خلّفها الاستشهاد البطولي للقائد الشهيد نشوء أدبيات ثورية بين أتباعه داخل البلاد وخارجها، وهي ظاهرة يعجز كثير من السياسيين في العالم عن وصفها أو فهمها.
ففي هذه الأيام نشهد مقابلاتٍ تُجرى خلال ليالي الميادين التي تحولت إلى ساحات عزاء للإمام الشهيد؛ حيث يتحدث المعزّون بدموعٍ حارةٍ وصادقةٍ تبعث الأمل في جميع أنحاء البلاد. وهذه الروح المعنوية تبدو أشد تأثيرًا من أكثر الأسلحة تقدمًا في العالم، إذ تعبّر عن الاستمرار في طريق القائد الشهيد وعن العزم على الانتقام الحتمي رغم مختلف التهديدات.
ومعنى ذلك أنّ آية الله الشهيد أصبح، بعد استشهاده، أخطر على الأعداء وأكثر فتكًا بهم من آية الله العظمى خامنئي وهو على قيد الحياة؛ لأنّ اختيار خليفةٍ له يرضى به الإمام المهدي من قبل مجلس خبراء القيادة سيجعل الجهود الإلهية والإنسانية لذلك القائد الراحل تؤتي ثمارها بسرعةٍ لا يمكن تصورها، سواء أدرك ذلك الأصدقاء أم الأعداء.
وهذا كله تمهيدٌ لاستقبال طلوع شمس الولاية العظمى للإمام المهدي الموعود (عجل الله تعالى فرجه)، وليكون دم الشهداء سببًا في تحقق النصر الإلهي، فيذيق أهل الإيمان حلاوة ثمرة تضحياتهم وتكاليفهم بأكثر مما كانوا يتصورون — إن شاء الله.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل