في منعطفات هذا الميدان المصيري، حين يصطف الحق في مواجهة الباطل، فإن الحديث عن وقف إطلاق النار أو المساومة أو أي خطوة من شأنها أن تضعف معنويات مجاهدي جبهة الحق، يشبه خنجراً يُغرس في جسد الدين.
وكالة أنباء الحوزة | بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
سورة الأنفال: 15–16
يا أيها الذين آمنوا! إذا واجهتم الكافرين وهم يزحفون لقتالكم، فلا تولّوهم الأدبار.
ومن يولِّهم ظهره في ذلك الموقف فقد استحق غضب الله، ومأواه جهنم، وبئس المصير؛ إلا أن يكون متحيزًا للقتال أو منضمًا إلى جماعة.
عندما بدأت حرب رمضان، تساءل كثيرون: إلى متى ستستمر هذه الحرب؟ وهل يمكن في الظروف الحالية القبول بوقفٍ لإطلاق النار، ولو مؤقتًا، كما حدث في الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا، من أجل إعادة ترتيب الأوضاع وتهدئة أجواء المجتمع؟
هناك من يتحدث عن ضرورة وقف إطلاق النار، ويشجع الحكومة والنظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية على القبول به، بل وحتى الاستسلام أمام العدو الصهيوني الأمريكي المتعطش للدماء. كما يحاول بعضهم فرض فكرة الهدنة على البلاد مستندين إلى سيرة أهل البيت عليهم السلام. ولكن ماذا يقول القرآن في هذا الشأن؟
لقد نهى القرآن الكريم المؤمنين عن التراجع أمام العدو، وهدد أولئك الذين ينسحبون من ساحة القتال بلا مبرر، أو يتحدثون عن التراجع ووقف القتال، بعذاب النار.
إن آيات القرآن واضحة وصريحة، لا لبس فيها، حتى إن المفسرين اكتفوا في تفسيرها ببيان ترجمتها وشرح معاني كلماتها، إذ لا يجدون فيها غموضًا.
إن الحكم الإلهي في مواجهة جبهة الحق لجبهة الباطل حكمٌ واضحٌ وحاسم، لا مجال فيه للشك أو التردد.
وفي منعطفات هذا الميدان المصيري، حين يصطف الحق في مواجهة الباطل، فإن الحديث عن وقف إطلاق النار أو المصالحة أو أي خطوة من شأنها إضعاف معنويات مجاهدي جبهة الحق، إنما هو كطعنة في جسد الدين. وهذا الإضعاف لا يصدر عن المؤمنين الحقيقيين، بل عن المنافقين أو أولئك الذين يظهرون التأييد للحق، بينما يحملون في باطنهم روحًا مترددة ضعيفة تقودهم إلى الخيانة.
وهؤلاء الأشخاص – مهما كانت مواقعهم ومناصبهم – ينبغي لهم، بحكم الله تعالى، أن يهيئوا أنفسهم لنار جهنم.
فمن العالم إلى عامة الناس، إذا ارتكب أحدهم مثل هذه الخيانة فعليه أن يتهيأ لعذاب الله. إن الله تعالى لا يقبل أي عذرٍ لنقض هذا العهد، كما أن الفهم الخاطئ لساحة المعركة أو التقدير غير الصحيح للعواقب لا يمكن أن يكون مبررًا لإضعاف عزيمة الذين يبذلون أرواحهم من أجل إعلاء كلمة الحق.
وقد اعتبر الإمام جعفر الصادق عليه السلام، في جوابٍ عن سؤال حول الكبائر، أن الفرار من ساحة القتال من الذنوب الكبيرة، وجعله في منزلة قريبة من الشرك بالله تعالى.
وهذا التشبيه يوضح عمق خطورة هذا الذنب وشدة حرمته. ومن منظور القرآن الكريم، فإن كل ضعفٍ أمام العدو أو خوفٍ منه يعني الابتعاد عن ولاية الله ونصرته.
ذلك لأن الله تعالى وعد أهل ولايته، والسائرين في طريقه، بالسكينة والطمأنينة والشجاعة. وهذا الوعد الإلهي لا يتخلف إلا إذا أضاع الإنسان أو الجماعة شروط تحققه، وأهمها الثبات والصمود وعدم الضعف أمام تهديدات العدو.
وفي هذا الميدان المصيري قبل ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، حيث المواجهة بين جبهة الولاية وقوى الطاغوت والشر، فإن كل كلمة، وكل قلم، وكل عمل يضعف ثبات المجاهدين في أي ميدان من ميادين القتال يجب أن يُعد خيانة في ساحة المعركة، ويجب التعامل معه بحزم، ولا يجوز تبريره أو إضفاء الشرعية عليه.
لقد سجل التاريخ دائمًا مشاهد كثيرة للعبرة.
ومن أبرزها قصة معركة أحد؛ فقد كان المسلمون في البداية منتصرين، لكن بسبب غفلة وتراخي مجموعة من الرماة الذين كُلّفوا بحراسة ممر أحد، تركوا مواقعهم ظنًّا منهم أن النصر قد تحقق، وانشغلوا بجمع الغنائم، فكانت النتيجة أن انقلبت موازين المعركة وكاد المسلمون أن ينهزموا هزيمة كاملة، لولا عناية الله التي أعادت لهم القدرة على المواجهة في مراحل لاحقة.
وفي المعركة الحالية للأمة الإسلامية مع أتباع الشيطان، وفي هذا الظرف الحساس الذي يتوقف عليه مصير البشرية، فإن الحديث عن وقف إطلاق النار أو الصلح أو الوساطة أو أي أمر يؤدي عمليًا إلى إضعاف جبهة الحق يعد أمرًا محرمًا.
إن الصوت الوحيد الذي ينبغي أن يُسمع من الأمة الإسلامية هو صوت المطالبة بدماء المظلومين، والتقدم بلا تراجع في طريق الحق، والثبات أمام جميع التهديدات.
وأي محاولة لإقامة صلحٍ في هذه المرحلة، قبل تحقيق الأهداف الإلهية بالكامل، تُعد بمثابة استسلام للباطل وخيانة لدماء الشهداء ولرسالة الأنبياء.
وعلى المؤمنين أن يقفوا بكل قوتهم، وبروحٍ إيمانية راسخة، في هذا الميدان الصعب، حتى يمهّدوا الطريق لطلوع شمس الحق كاملة.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





